لم تكن قضية جيفري إبستين مجرد فضيحة أخلاقية عابرة؛ بل نافذة مظلمة كشفت جانبًا من طبيعة الصراع داخل الدولة الأميركية. فالرجل الذي وُجد ميتًا في زنزانته، في ظروف وُصِفت رسميًا بالانتحار، ترك وراءه أسئلة أكبر من أن تُغلق بتقرير إداري أو بيان حكومي.
اسم دونالد ترامب، كغيره من أسماء نافذة في السياسة والمال، طُرح ضمن دائرة علاقات إبستين. ورغم غياب إدانة قضائية مباشرة، فإن إعادة إحياء الملف من قبل خصوم ترامب لم تكن بدافع العدالة بقدر ما كانت أداة ضغط في صراع سياسي محتدم. القضية ليست جديدة، لكن توقيت إثارتها مجددًا يثير الريبة، خاصة في ظل أجواء الانقسام غير المسبوق داخل مؤسسات الحكم الأميركية.
الأخطر ليس ما كُشف، بل ما لم يُكشف. فموت إبستين، وتعطّل الكاميرات، وتراخي الحراسة، كلها عناصر جعلت الرواية الرسمية محل شك واسع. وحين تُغلق قضية بهذه الحساسية دون محاسبة حقيقية، فإن الرسالة تكون واضحة: هناك خطوط لا يُسمح بتجاوزها.
في هذا السياق، تتصاعد أحاديث - غير مؤكدة رسميًا - عن تحركات داخل بعض دوائر الجيش والأجهزة الأمنية، تعكس حالة قلق من المسار الذي اتخذته البلاد. قد لا تكون هناك مؤامرة مكتملة الأركان، لكن المؤكد أن أميركا لم تعد دولة القرار الواحد، وأن مراكز القوة فيها تتصارع بصمت، وأحيانًا عبر تسريبات مدروسة.
ترامب، الذي صُوّر يومًا كزعيم متمرّد على «الدولة العميقة»، يبدو اليوم محاصرًا بها أكثر مما يسيطر عليها. ليس بلا أنياب، لكنه أيضًا ليس المفترس الوحيد في الساحة. أما الحقيقة، فهي أن ملف إبستين سيظل سيفًا مُعلقًا، يُشهر عند الحاجة، ثم يُعاد إلى غمده، بانتظار لحظة سياسية مناسبة.
ما يحدث في الولايات المتحدة ليس مجرد صراع أشخاص؛ بل صراع نظامٍ يشيخ، ومؤسساتٍ تخشى الانكشاف، وشعبٍ يفقد ثقته بالروايات الرسمية. والسؤال لم يعد: من قتل إبستين؟
بل: ماذا كان يعرف؟ ولماذا لا يُسمح لنا بمعرفة ذلك؟
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات