Atwasat

جروح إيران النرجسية (1-4)

عمر الكدي الإثنين 26 يناير 2026, 02:35 مساء
عمر الكدي

الثنائية في الثقافة الفارسية

بينما تتصاعد المظاهرات في شوارع المدن الإيرانية ضد الغلاء وسوء الأوضاع المعيشية. نولي هذا البلد المهم المزيد من التركيز والبحث، ليس في أوضاعه السياسية الراهنة، إنما في الجذور الثقافية والدينية والاستراتيجية، محاولين توقع التغييرات القادمة وتأثيرها على المنطقة.

تنتقل طقوس وعقائد الديانات القديمة إلى الأديان الجديدة دون استثناء، بما في ذلك الإسلام وخاصة في طقوس الحج، وعندما تحول المصريون إلى المسيحية بأقانيمها الثلاثة. الأب والابن والروح القدس، إنما هو استجابة لمعتقداتهم القديمة. ايزيس وأوزوريس وحورس. يجمع الباحثون في الأديان المقارنة على أن الزرداتشية من أقدم الديانات التوحيدية، وهي ديانة فارسية ظهرت في بلاد فارس قبل 3500 سنة، أي في القرن السابع أو السادس قبل الميلاد، ولكن الإله في هذه الديانة يظهر بمظهرين، إله الخير والنور أهورامزدا، وإله الظلام والشر أهريمان، أي ما يعادل الملاك والشيطان في الديانات الأخرى، ولكن هذه الثنائية ظلت موجودة في قلب الثقافة الفارسية حتى الآن، على عكس الثقافة العربية التي تحكمها الوحدانية.

إله مطلق واحد وحاكم مطلق واحد، أو الفرد الصمد، فالقصيدة في الشعر العربي هي تكرار لبيت واحد، بينما القصيدة في الشعر الفارسي هي تكرار لبيتين. يبدو ذلك جليا في مثنوية جلال الدين الرومي، وفي رباعيات عمر الخيام، ومن جاء بعدهم مثل الفردوسي وحافظ الشيرازي وسعدي الشيرازي، فالقصيدة هي انعكاس لبيئتين مختلفتين، بيئة صحراوية وبيئة تجمع بين الأراضي الخصبة والأراضي القاحلة، ففي الصحراء بيت الشعر في القصيدة، هو انعكاس لبيت الشَعر في النجع، ولكن الأفق واحد ومتشابه في الصحراء، وهي تكرار لذرات الرمال، في حين البيئة أكثر تنوعا في بلاد فارس. القصيدة في الشعر الفارسي هي انعكاس للبستان الذي به زهور مختلفة الأشكال والألوان والروائح، وهو انعكاس للسجادة التي شاركت آلاف الخيوط المتعددة الألوان في نسجها.

يبدو هذا واضحا في ديواني سعدي الشيرازي "بوستان وكلستان" الأول البستان والثاني الروضة أو الحديقة، ولهذا لا يستطيع الشاعر الفارسي مجاراة الشاعر العربي، في كتابة قصيدة بقافية واحدة وفي بحر واحد ووزن واحد، عليه أن يكتب بيتين بنفس القافية ثم يغير القافية، وهذا واضح في ملحمة أبو القاسم الفردوسي الشاهنامة، التي كلفه محمود الغزنوي مؤسس الدولة الغزنوية بكتابتها سنة 961 م، وهي دولة سنية تركية نشأت في ظل الخلافة العباسية، والتي كانت تبحث عن هوية خاصة بها، ولأن اللغة التركية غير مؤهلة أصبحت اللغة الفارسية هي البديل، فكتب الفردوسي هذه الملحمة التي تمجد التاريخ الفارسي القديم منذ ملوك الإمبراطورية الأخمينية، وحتى ملوك الإمبراطورية الساسانية التي انتهت مع الإسلام.

هذا النزوع نحو الثنائية في الشعر الفارسي ليس بسبب عجز اللغة الفارسية، فهذه اللغة أغنى صوتيا من اللغة العربية التي تتكون أبجديتها من 28 حرفا، بينما تتكون الفارسية من 32 حرفا، ولكنه نزوع يحركه اللاوعي الجمعي كما صاغه عالم النفس النمساوي كارل يونغ، وهذا التفسير يساعدنا في فهم هذه الثنائية في شعر الخيام وجلال الدين الرومي، فمن التصوف والزهد والانقطاع عن الملذات، ينتقلان فجأة إلى كؤوس الخمر والحض على الملذات، وعندما تحولت إيران في العهد الصفوي إلى المذهب الشيعي، اختارت المذهب الاثنا عشري وليس المذهب الإسماعيلي أو الزيدي، لأن هذا المذهب يختزل الثنائية، فالزمن ينقسم إلى قسمين الأول يمتد من غيبة المهدي المنتظر، والثاني يمتد من عودته الكبرى، وفي هذا الصدد يقول المفكر الإيراني داريوش شايغان، إن إيران تعيش بين زمنين، زمن النبوءة ويمتد من آدم إلى النبي محمد، وزمن الولاية ويمتد من النبي محمد إلى عودة المهدي المنتظر، وحتى في نظام ولاية الفقيه المعتمد الآن في إيران، هناك سلطتان متزامنتان سلطة المرشد الأعلى للثورة، الذي يملك سلطة مطلقة على جميع أجهزة الدولة، وسلطة رئيس الجمهورية المنتخب، وهناك برلمان منتخب وهيئة تشخيص مصلحة النظام غير المنتخبة التي تعين المرشد الجديد.

هناك جيش نظامي وهناك حرس ثوري يخضع للمرشد الأعلى، في حين هناك في العالم العربي حاكم واحد يحتكر جميع السلطات، إلا في البلدان التي انهارت فيها دولة الحاكم الواحد، وتعرضت لحرب أهلية وصراع على السلطة، مثلما يحدث في ليبيا والسودان واليمن وسوريا والعراق ولبنان. ثمة اتجاهان رئيسيان في إيران بغض النظر عن التنوع الأيديولوجي، وهما التوجه المذهبي الطائفي الذي يحكم البلاد، والتوجه القومي الذي كان يحكم البلاد في زمن الشاه، وحتى داخل النظام الحاكم هناك فقط تياران. المحافظون والإصلاحيون، وقبل ذلك كان هناك حزب شيوعي قوي هو حزب تودة، والآن لا يزال هناك منظمة معارضة تسمى مجاهدو خلق، تجمع في أيديولوجيتها بين الإسلام والماركسية، ومثل هذه الأيديولوجية لم تظهر في العالم العربي، فكل الأحزاب الشيوعية كانت لينينية ستالينية.

يستمد المذهب الاثنا عشري شرعيته من نسل علي وفاطمة، ولكن عندما تشيعت إيران أصبح المذهب يعتمد في شرعيته على نسل الحسين بن علي وزوجته الفارسية التي يدعي البعض أنها ابنة آخر ملوك الساسانيين، وهي محاولة للمزاوجة بين الدين والقومية، وبالرغم من أن اسم إيران يوحي بأنه مثنى إلا أن اللغة الفارسية لا وجود للمثنى بها، باعتبارها لغة هندو أوروبية. هذا القدر الثنائي يتعقب إيران أينما اتجهت بما في ذلك هذا الجمع بين هندي وأوروبي، بالرغم من وجودها الجغرافي وسط شعوب تركية وعربية وكردية وأقليات أخرى لا توجد في أي بلد من بلدان الشرق الأوسط.

يقول المفكر الإيراني علي شريعتي "أنا سني المذهب صوفي المشرب، بوذي ذو نزعة وجودية، شيوعي ذو نزعة دينية، مغترب ذو نزعة رجعية، واقعي ذو نزعة خيالية، شيعي ذو نزعة وهابية وغير ذلك اللهم زد وبارك"، هذا الحشد الكبير من الثنائيات المتضادة لا يمكن تفسيره، إلا بالرجوع إلى الإله الزرادشتي بمظهريه الخير والشرير، وعلى عكس داريوش شايغان الذي يعتبر تراثه جثة يحملها على كتفيه، يعتبر شريعتي تراثه جريحا أو مريضا يحمله على كتفيه، ويحتاج إلى إيقاظه من غيبوبته بالصفع، ولذلك لم يتردد في نقد الشخصية الإيرانية بجميع تمظهراتها.

نقد رجال الدين الشيعة وخاصة التصور الصفوي للتشيع، ونقد القوميين واليساريين المحنطين، وحاول تتثوير المذهب الشيعي بالعودة إلى التشيع العلوي وليس الصفوي، وبعد استكمال دراسته في السوربون في علم الاجتماع، عاد إلى بلاده ليؤسس حسينية الإرشاد، التي لعبت دورا كبيرا في تثوير المذهب الاثنا عشري، فالفقهاء غير متحمسين لنظرية ولاية الفقيه التي تبناها الخميني، لأن دولة الشيعة ستظهر بعد عودة المهدي المنتظر، بينما يرى شريعتي أن التشيع حركة معارضة في تاريخ الإسلام، ويجب أن تستمر في المعارضة السياسية والأخلاقية، ولا تنتظر عودة المهدي، وهو ما ألب عليه نظام الشاه والحوزة الدينية واليسار، ومات في لندن عام 1977 في ظروف غامضة، ويعتقد أن السافاك صفاه هناك، ولو عاش حتى قيام ثورة الخميني لحكم عليه بالإعدام أمام محكمة يرأسها صادق خلخالي.

لم تنتج الثقافة الإيرانية مفكرين عقلانين كبار على غرار المعتزلة وفلاسفة القرون الوسطى، حتى ابن سينا والفارابي كانا يعتمدان على العرفان والإلهام أكثر من البرهان، الذي ظهر عند ابن خلدون وابن رشد. الغزالي هو المفكر الوحيد من أصول فارسية استخدم الفلسفة ضد الفلسفة. دائما اتسم الفكر الإيراني بنزعة صوفية ومقولات تعتمد على الإلهام والإشراق، بسبب تأثره بالحكمة الآسيوية أكثر من الفلسفة اليونانية، باستثناء المفكرين الذين ظهروا في القرن العشرين، وعلى رأسهم داريوش شايغان وعلي شريعتي، وثمة سوء فهم متوارث بين العرب والإيرانيين منذ زمن بعيد، فصدام حسين غزا إيران عام 1980 دون أن يكون في العراق مركز واحد للدراسات الإيرانية، حتى العراقيين من أصل إيراني طردهم من البلاد، ولم يصلنا من إيران سوى رباعيات الخيام التي ترجمها أحمد رامي وغنتها أم كلثوم، ولأن رباعيات الخيام هي نتاج بيئة زراعية تفاعل معها ابن بيئة زراعية هو صلاح جاهين وكتب أعظم أعماله "رباعيات" باللهجة المصرية، ودون شك يبدو الإبداع البصري لدى الإيرانيين لا يقارن بالعربي، وخاصة في السينما حيث انتجت السينما الإيرانية أفلاما استثنائية بميزانيات متواضعة، وبسيناريوات ذكية وبسيطة، مثل أفلام عباس كيارستمي، وأصغر فرهادي وإبراهيم حاتمي، ويبدو الإبداع البصري في تصميم العلم الإيراني جليا، مقارنة بالأعلام العربية، فكلمة الله التي تتوسط العلم تتكون من أربعة أهلة وسيف الذي لا يبدو مثل السيف على العلم السعودي وإنما يبدو مثل مئذنة، وعلى جانبي المستطيل الأخضر والأحمر تظهر منمنمة دقيقة عند التمعن فيها تكتشف عبارة "الله أكبر" بالخط الكوفي، بينما تجد علم السعودية خاليا من أي جمال، وعلم العراق كتب عليه صدام بنفسه عبارة الله أكبر ولأن صدام لم يتحصل إلا على الشهادة الإعدادية، ثم تحصل على الشهادة الثانوية أثناء هروبه إلى مصر بنظام المنازل، وضع همزة على الألف في كلمة الله، ولم يجرؤ أحد على تنبييه إلى هذا الخطأ، خوفا من أن يتهم بالعمالة لإيران من خلال سيبويه، وعلم داعش في منتهى القبح مثل علم القذافي.

منتهى التلوث البصري مقارنة بهذه النمنمة الرفيعة في العلم الإيراني، ولكن يروى أن حافظ الشيرازي قال "عندما قرأت ديوان المتنبي احتقرت نفسي"، فالعربي بارع في البيان، والإيراني بارع في العرفان والألوان.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»