Atwasat

1966 أمس 2026 اليوم

سالم الكبتي الأربعاء 07 يناير 2026, 02:30 مساء
سالم الكبتي

جاء العام يطوي الأبعاد طياً. ذهب الذي قبله إلى التاريخ. مواسم تجري وتركض. تزدحم بالوقائع والأحداث. تتحرك وتتسارع وتتلاقى وتفترق. أعوام تتراكم فيها التفاؤل والصراع والحزن والقلق والشموس والأقمار. الليالي والنهارات الطويلة والقصيرة.

جاء العام ومضى الذي قبله. تتشكل معه لوحات فيها من التفاصيل الكثير. العام أيام وأسابيع وأشهر. تشهد النضالات والتطلعات وتنتهي حين تصل إلى عدد ثابت في الغالب. ثلاثمئة وستون يوماً. قطعان الأيام التي تركض. التي تكر وتفر. التي تجيء والتي تذهب وتمضي.

والأعوام ببداهة بسيطة تكون العقود والأجيال والقرون. مذهلة تلك الأعوام. عجيبة بما فيها من تناقضات ومفارقات. للأعوام فلسفة. هل ثمة من سمع أو أدرك فلسفة الأعوام ومنطقها.

هل ثمة من يتأمل ويشاهد ويستوعب ويرى. وتستوقفه نتائج حصادها. نتائج أحياناً تتشابه وتعيد نفسها بنفسها. الحاصل في الغالب واحد في جمعه دون طرحه. الأعوام لا تطرح شيئاً من التاريخ لكنها تجمع وتزيد وتراكم. قلق على قلق. جراح على جراح. حزن على حزن. والقليل القليل من البِشر والتفاؤل. حل العام 2026 من هذه الألفية الثانية المعقدة وستون تمر على العام 1966.

تمر مثل لحظات.. مثل وميض برق.. أيام تخطف الأبصار وتسير. تحل هذه الستينية كما تعتري الأرقام كل عام.. كل موسم.. كل حدث وواقع فات. هذا هو التاريخ في فلسفة الأعوام ومنطق الأيام. هذا عالم الأرقام المتكرر الذي يدوخ الروح والعقل.

الحياة يغدو تاريخها أرقاماً. تقاويم على الحائط وفوق المكاتب. تتبدل وتتغير. تجارة التاريخ. والبشر يلهثون في سباق مع التاريخ والأرقام. البشر بعد أعوام الحياة يفنون ويمضون إلى الموت وينتهون مثلما تنتهي الأعوام. تبقى سيرهم في ذاكرة التاريخ وعالم الأرقام. يتحول البشر أيضاً إلى تاريخ بعد الممات والفناء. تلك إرادة الخالق على الدوام.

1966 عام كانت له تداعياته وآثاره عندنا في ليبيا وفي المنطقة وفي العالم. كان يركض نحو السبعينيات. فات منتصف القرن العشرين. ظل يزحف نحو قرب ألفية مقبلة. والعالم ينصهر في التقلبات لا يهدأ على الإطلاق. وبدايته في ليبيا كانت تشير إلى توجس أو قلق فبعد تسعة أيام من بداية العام السادس والستين تسربت إشاعات في الشارع الليبي رددت بأن الملك إدريس يعتزم التنازل عن العرش.

مباشرة بعد هذا التسرب والسريان للأقاويل فوق الأرصفة يصدر الديوان الملكي نفياً قاطعاً لما تردد. أذاعته الإذاعة ونشرته الصحف. الشارع بذكائه التقط همساً يدور في البعيد وخلف الكواليس والردهات عن مشروع ينوي الملك تحقيقه باستبدال النظام الملكي بنظام جمهوري. حضر أدريان بلت ومسؤولون ليبيون سابقون ومعاصرون لقاءات مع الملك تتصل بهذا الشأن.

لم يستمر نقاش المشروع. طريقه انقطع في المنتصف أو قبله وظل باب التكهنات مفتوحاً ثم أغلق ببيان الديوان في التاسع من يناير. وفي بداية العام أيضاً المكتب الكشفي العالمي ينصب الأمير الحسن الرضا ولي العهد راعياً للكشفية العالمية.

وفي السادس عشر من فبراير اتحاد الطلبة الليبي يعلن قيام مؤتمره التأسيسي في رحاب الجامعة في بنغازي بعد صراع وجدل عبر المدرجات والقاعات. قيادات تبرز وتتحرك وبعد عام سيعلن عن إنشاء الاتحاد في فبراير 1967.

في ارتدادات لمفاوضات الجلاء مع الحكومة الليبية القوات البريطانية تتخلى عن بعض معسكراتها في طرابلس وبنغازي وتسلمها للجيش الليبي.. قرجي وبرين والداقادوستا. الإنجليز يودون الخروج. مصالحهم في المنطقة بالكامل تولتها أميركا.

لم يعد الزمن إنجليزياً لا تغرب عنه الشمس. وثمة فرق مشهورة في كرة القدم من يوغسلافيا ورومانيا وروسيا والبرازيل تزور بنغازي وطرابلس وتلعب مع فرقها. الجمهور يتابع فوق المدرجات ويهتف ويصفق. الكرة عالم آخر. وثمة اهتمام بالغ بالتواصل مع تلك الفرق العالمية لزيارة البلاد والإفادة من خبرتها. في السابع من مارس تصدر جريدة الحقيقة أول عدد يومي لها بعد عامين من الصدور الأسبوعي.

هذا العدد سيشهد أول مقال للصادق النيهوم عنوانه (هذه تجربتي أنا). تستمر تجربته وتستدعي الاهتمام والمتابعة وتحرك ساكناً راكداً. فرق فنية تصل إلى البلاد وتحيي حفلات منوعة في بنغازي.. محمود شكوكو. نجاة الصغيرة وغيرهما في سينما الحرية ثم سميرة توفيق وفهد بلان وحسن المليجي في شاليه جليانة عند قدمي البحر.

جريدة طرابلس الغرب تبلغ من العمر مئة سنة. كان صدورها في العام 1866. سبقت الأهرام في مصر وجرائد أخرى في العالم أيضا. ظل اسمها كذلك حتى تغير إلى (العلم) عام 1967 مع تغيير جريدة برقة الجديدة إلى الأمة وجريدة فزان إلى البلاد. تاريخ صحفي عريق كان ينبغي أن يبقى ويستمر دون تعديل. ولكن التاريخ يعتريه أحياناً التبديل والتحريك!

في الرابع والعشرين من مايو ينال المعيد بكلية الآداب في بنغازي عمر علي بن إسماعيل الماجستير عن رسالته حول انهيار حكم الأسرة القره مانلية في جامعة عين شمس بالقاهرة بإشراف الأستاذ أحمد عزت عبد الكريم. من الرسائل العلمية المبكرة في تاريخ ليبيا الحديث.

صار بعدها محاضرا في الكلية ثم نال الدكتوراة وأضحى رئيساً لقسم التاريخ ثم ترك الجامعة حين اقتحمها مسلحون بملابس مدنية اعتداء على طلبتها في يناير 1976 الذين بدأوا مواجهة شجاعة مع السلطة لتكوين اتحادهم المستقل. موقف غفل عنه الكثيرون ويحسب في التاريخ لدارس تاريخ الوطن وتفاصيله رحمه الله. وفي العام نفسه يرحل علي باشا العابدية أحد أعضاء حكومة أجدابيا ومستشار الأمير إدريس عام 1917 وثاني رئيس لمجلس الشيوخ بعد الاستقلال. والشيخ محمد علي الصفراني العالم والمعلم والمفتي.

والقاص خليفة التكبالي والشاعر علي الرقيعي. وقائد عام كشاف ليبيا علي خليفة الزائدي. واللجنة العليا للفنون والآداب توالي إصداراتها للكتاب الليبيين في القصة والشعر.. يوسف الشريف وخالد زغبية وأحمد إبراهيم الفقية والرقيعي والتكبالي وغيرهم.

والعام يتقلب ويتغير ويدور. في المنطقة أحداث مشابهة.. الجامعة الأميركية في بيروت تبلغ من العمر مئة سنة أيضاً. تحتفل بذكراها وتنشر للدكتور نيقولا زيادة كتاباً مهماً هو (ليبيا 1948 وثيقة رسمية) يحوي تقرير اللجنة الرباعية الدولية تلك الأيام عن أوضاع ليبيا وطريقها المرتقب نحو الاستقلال. غيرنا يهتم بنا وبتاريخنا بلا انقطاع.

ورفات الأمير المجاهد عبد القادر الجزائري تنقل من دمشق قرب الجامع الأموي إلى مقبرة العالية في الجزائر. احتفال واستقبال مهيب يليق به. الرابع من يوليو تحط الطائرة التي تقل الرفات بطرابلس وتقابل بالتكريم ثم تواصل. في دمشق أمين الحافظ رئيس الجمهورية يقلبه البعث. يأتي الثلاثة بعده وهم نورالدين الأتاسي وصلاح جديد ويوسف زعين بعد ترحيله إلى المزه. رحلة جديدة مع البعث القديم الذي انتهى حتى يأتي حافظ الأسد ليصحح كما تردد ما انخرم في نوفمبر 1970!!

في بيروت تصدر غادة السمان ليل الغرباء. الشباب يتلهف ويتابع القراءة. صوت نسائي جريء يواصل تمرده. بنك أنترا يفرغ جيوبه ويعلن الإفلاس. فيروز في بعلبك تحيي أيام فخر الدين وتهتف.. بيي راح مع العسكر. الأعمدة والآثار وليالي السهر تردد الغناء والمواويل قبل أن تنطفئ في سنوات لاحقات. في مصر شيخ الأمناء الناقد أمين الخولي يرحل. وسيد قطب مع آخرين ينتهي بهم المطاف عند أعواد المشنقة. تلاشى التنظيم بالدماء والسجون. نكسة تقترب سيصحو عليها العرب بعد أشهر.

عبد السلام عارف تسقط طائرته قرب البصرة ويلاقي حتفه مع من معه. شبهات لكنها تخفت. يعقبه شقيقه عبد الرحمن عارف. ضعيف مثله لم يقدر على حكم دجلة والفرات. قدم البعث بقوة من جديد في يوليو 1968 بعد ذلك بعامين. تاريخ البعث.. تاريخ وحده من الكثير من الصفحات والتفاصيل السوداء في تلك الأيام.

وفي العالم دوران وتقلبات للرياح. فيتنام والقصف. ظاهرة البتلز تتواصل. في الخامس عشر من يناير.. نيجيريا تنقلب رأسا على عقب. زعيمها أحمد سردونه سكتو وزوجته يقتلان ويحرق منزلهما. كان الوقت في شهر رمضان ثم يقتل أبوبكر تفاو بيلوا في غابة قرب لاجوس في الثاني والعشرين من الشهر.

نيجيريا بلد البترول والمعادن. يتحرك الفساد بعدها. تنقسم وتنفصل. بيافرا ويعقوب جوون وتنتهي لعبته في صيف 1970. ذلك العالم وأرقامه التي تدور وتتحرك. ويرحل لال بهدور شاستري رئيس وزراء الهند بعد نهرو ويحرق جثمانه عند النهر المقدس حسب طقوس الهندوس. ثم غانا بلد الكاكاو والمطاط يقلب زعيمه نيكروما. كان في رحلة خارجها. وتشرع حلقة العسكر في حكم البلد. الزعامات التاريخية تنهار وترحل ويتم نسيانها. أفريقيا طبول تقرع في كل الأوقات وتتردد الأصداء في الغابات وعند مساقط الأنهار.

ستونية مليئة بالأحداث تتعاقب. الفصول تتوالى. تهاجر أسراب الطيور. تسقط الأمطار. تقع الزلازل وتهدر الفيضانات والبراكين. الفوران والحمم الساخنة تغمر العالم. لا يمكنه أن يناله السكون. والطوفان في كل الأحوال قادم مع عالم التاريخ والأرقام ودهشة الإنسان.

 



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»