Atwasat

أنا وكولن ويلسون!

أحمد الفيتوري الثلاثاء 30 ديسمبر 2025, 01:53 مساء
أحمد الفيتوري

كشاب تأبط شرا، حملت في مقتبل العمر كتب كولن ويلسون، «اللا منتمي» كتابه الأشهر، فروايته «ضياع في سوهو» وغيرهما. حينها كان أيقونتي «تشي جيفارا»، لكن اللا منتمي موقفي من سلطة العقيد معمر القذافي، الذي عقب انقلابه اتخذ صنما ثالوثيا عدوا له: الشيوعية والرأسمالية وكولن ويلسون!، من عندها انتشر كالهشيم في النار، باعتباره الفيلسوف الوجودي الشاب المتمرد والهيبي اللا منتمي. وقد شرع العقيد القذافي يلتقي مرارا بطلبة الجامعة، ليصب جامَ غضبه، على النبي الدجال اللا منتمي، وأيضا ليسفه الطلبة والشباب، من منهم حامل أسفار الدجال كالحمار.

حينها كانت «دار الآداب اللبنانية»، تترجم وتنشر كتبه تباعا وفي سرعة لافتة، فتُوزع في عالمنا بسهولة ويسر. ولم يمنع القذافي كتب كولن ويلسون كما منع غيرها، غير أنه اتخذها عتبة، لمقارعة شارع الطلاب الحيوي، خاصة عقب ثورة الطلاب العالمية مايو 1968م، وليشعل شرر فكره في غابة الأشجار الميتة: الشيوعية والرأسمالية، داعيا إلى نظريته العالمية الثالثة!

حدث ذلك في أول عقد السبعينيات من القرن العشرين، قرن الأيديولوجيا وحروبها الصغيرة والباردة، فالنجوم الساطعة للقرن في كل مجال. في الأثناء أصبح كولن، الشاب اللا منتمي الوجودي الجديد، كما الشارح لوجودية سارتر صعبة المنال، ما ترجم عبد الرحمن بدوي سفرها الأعظم في 990 صفحة: الوجود والعدم – جان بول سارتر (الناشر دار الآداب – الطبعة الأولي 1966م).

وقد اعتبر الكاتب الصحفي أنيس منصور نفسه تلميذها النجيب!، وفي ليبيا التي في جامعتها يُدرس «بدوي»، كتب تلميذه رجب بودبوس «في المنفى»، كأول رواية وجودية ضاجة بمحليتها، ومفارقة بنسج أصيل! لروايات سارتر كـ«الغثيان». لقد حدث ذاك في أجواء حرب باردة مستعرة، تتناطح في خضمها أكباش كبرى، الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة وحلفيهما الأطلسي ووارسو، ما قد خرج ضدهما الطلاب ثوار الحقبة، بمظاهرات تتناسل في العالم، وبالأخص ضد سلاحهما توازن الرعب النووي.

كان فيلسوف الوجودية البارز هايدغر (المتهم بالنازية)، يولي في جانب من اهتمامه بالعالم، اهتماما خاصا بالتكنولوجيا/التقنية والإيكولوجيا/ البيئة، ففي محاضرته عام 1953م: «إن التكنولوجيا ليست مجموعة أجهزة ذكية وبارعة، بل تكشف التكنولوجيا عن أمر جوهري، في وجودنا العيني، لذا تحتاج التكنولوجيا إلي أن نفكر فيها، بطريقة فلسفية بدلا من الطريقة التقنية»، فيما هايدغر يفكر كذلك فإن ما يروج له اللا منتمي ويدرسه، الشعوذة والحشيش والجنس والتصوف والشعر في العالم اللامعقول، وكولن ويلسون «الوجودي الجديد حسب سارة بيكويل»، عاش حتى 5 ديسمبر 2013م، تعتريه مشاعر الغضب حتى النهاية.

لقد خصته بيكويل في كتابها (على مقهى الوجودية)، بصفحات قليلة لكنها مكثفة وألمحية وفيها: «جاء من مدينة ليستر بإنجلترا، ولم يذهب إلي الجامعة. عنوان كتابه اللا منتمي على اسم رواية «الغريب» لكامو، تقديرا للرواية واحتفاء بها، وقد أخذ القراء في رحلة جامحة، بعرضه أنماط الشخصيات الغربية المستلبة أو اللا منتمية. ومصادر الكتاب انتقائية، ونبرته جريئة وأفكاره كبيرة، وتحديه للأوساط الأكاديمية لا لبس فيه، استقبل الكتاب البريطاني بعاصفة.

ساعد على ذلك أن ويلسون نفسه، الذي لم يكمل بعد الخامسة والعشرين من عمره، كان حالما يداعب خيال أي رجل دعاية! وشجع ويلسون قراءه، على التعامل مع كتاباته، بشكل شخصي. وأطلق على فكره (الوجودية الجديدة)، وأضفى عليها طابع إثبات الحياة وقد سعى إلى توصيل معنى استحقاق الحياة الكامل، في كتبه، مؤمنا بأن الوجوديين الكبار أخطأوا، حين قيموا الحياة تقييما كئيبا للغاية.

وكتبت أن: "واحدة من المراجعين القلائل، الذين أظهروا تعاطفا مع ويلسون، بعد زوبعة كتابه اللا منتمي، هي آيريس مردوخ، التي اعتبرته أبلهَ عنيدا، ومع ذلك كتبت في صحيفة (مانشستر جارديان)، أنها تفضل (طيش) ويلسون وخفته، على (الجفاف) المتحذلق عند الفلاسفة الأكثر رسوخا». هذا من متن كتاب بكويل (على مقهى الوجودية)، ما اعتبر أحد أفضل كتب 2016م، وقد ترجمه حسام نايل.

الوجودية في زمان كولن ويلسون، كانت البلسم في مكانه الغربي، ولقد أضاف إليها الجديدة، كعادة الشباب من يريد أن يميز نفسه، وقد حملها الشباب وردة وضعوها علي صدر قبر هيروشيما، وفي ظنهم أن السلام ممكن ولو بطرز حرب باردة. وقد طفق ويلسون منذ خطوته الأولى، واثق الخطى يمشي طاووسا، الكاتب اللا منتمي، من عقيد بلاد نائية، جعل منه الشيطان الذي يقذفه بالحجارة، وتأبطتُ شره مثل كثير من شباب زماني.

ويلسون نجم من نجوم ذاك الزمان، البتلز والهيبز وتشي و كاردان، هوشي وماو وتي، تو، وعبد الناصر ونكروما وسوكارنو ونهرو وكاسترو وكيندي وخرتشوف، بريجيت باردو ومارلين مونرو، وجميلة بوحيرد، بيليه وكلاي، بيكاسو وسلفادور دالي والفيس برسلي، سارتر وسيمون دي بوفوار والجنس الآخر، وبيكيت وغودو، وهمنغواي وجوركي، وبريخت وماركوز ولوركا ونيرودا وناظم حكمت، فيروز والرحابنة، والبياتي والذي يأتي ولا يأتي، ويوسف إدريس وكاتب ياسين والطيب صالح والصادق النيهوم ونزار قباني، وباتريس لومومبا، وبن بركة وبن بيلا وقس عندي حلم مارتن لوثر كينج وفلسطين، السينما الجديدة ومسرح القسوة وواقعية بلا ضفاف، غاغارين وأرمسترونغ وبرنار زارع القلوب وطفل الأنابيب والترانزيستور... وكان الزمان رأسيا، فالسرديات الكبرى سيدة المشهد، كان فعل ماضٍ ناقص سرعان ما ولَّى، فـ(الآمال العظام) كعادتها، طويلة النفس خائرة القوى، لكن جيل ما بعد الحرب، من نظر إلى الخلف بغضب، أراد تغيير العالم الذي تغير بالقوة والفعل، فاتسع حتى صار الكون موبايل في كف اليد.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»