بعد أشهر من الانتظار، خرج إلى العلن ما أُطلق عليه «الحوار المهيكل».
غير أن هذا الخروج لم يأتِ بحجم التوقعات التي رافقته، ولا بمضمونٍ يعكس حجم الأزمة الليبية وتعقيداتها.
فبدا الحوار، منذ لحظته الأولى، بلا أثر سياسي ملموس، وبلا قدرة واضحة على إحداث تغيير حقيقي في المشهد القائم.
الإشكالية الأولى لا تتعلق بمبدأ الحوار في حد ذاته، فالحوار يظل أداة ضرورية في المجتمعات المنقسمة، بل تتعلق بكيفية تصميم هذا الحوار، وسقفه الزمني، ووظيفته السياسية.
إذ أُعلن عن الحوار قبل أن تتضح ملامحه النهائية للرأي العام، وقبل تقديم تصور متكامل حول أهدافه ومآلاته، وهو ما أضعف منسوب الثقة فيه منذ البداية. وقد زاد هذا الالتباس إعلان بعثة الأمم المتحدة أن الحوار سيمتد لستة أشهر، وأن نتائجه لن تكون مُلزِمة لأي طرف.
وبالنتيجة العملية، فإن هذا الإطار الزمني، مقروناً بعدم الإلزام، يعني تمديد الوضع السياسي الراهن لسنة إضافية على الأقل، دون وجود ضمانات حقيقية لتغيير موازين السلطة أو إنهاء المرحلة الانتقالية المستمرة.
ومن النقاط التي أثارت تساؤلات مشروعة أيضاً، الاستعجال في عقد الجلسة الافتتاحية للحوار في هذا التوقيت، رغم إعلان أن الانطلاق الفعلي لمساره سيكون مع مطلع العام المقبل.
وهو ما يوحي بأن هذا الاستعجال لم يكن مدفوعاً باعتبارات سياسية ملحّة بقدر ما ارتبط باعتبارات إجرائية وتنظيمية، وهي اعتبارات مألوفة في عمل المنظمات الدولية، خصوصاً فيما يتصل بمتطلبات البرامج، والجداول الزمنية، وإجراءات التمويل.
وأنا هنا لا أُشكّك في النوايا، بل أسعى إلى تسليط الضوء على خللٍ بنيويٍّ متكرّر، يتمثّل في تحوّل المسارات السياسية إلى استجابة لإيقاعٍ إداريٍّ وماليّ، بدل أن تُصمَّم وفق إيقاع الأزمة الوطنية، وتعقيداتها، وحاجاتها الفعلية.
وهو ما نراه بوضوح في السياق الليبي تحديداً، حيث أظهرت التجربة أن فترات الانسداد السياسي الطويل، في ظل انتشار السلاح وضعف المؤسسات، غالباً ما رفعت من احتمالات التوتر وعدم الاستقرار، لا من فرص التوافق وبناء الحلول المستدامة.
التجربة الليبية خلال السنوات الماضية تُظهر بوضوح أن الأزمة لم تكن يوماً أزمة أفكار أو تصورات،
بل أزمة تنفيذ وإرادة سياسية.
فقد شهدت البلاد مسارات متعددة من الحوارات واللجان والمبادرات، انتهى كثير منها إلى توصيات غير مُلزِمة بقيت دون تطبيق، بينما استمر الواقع السياسي على حاله، أو ازداد تعقيداً.
ومن هنا، فإن التخوف المشروع لا يكمن في الحوار نفسه، بل في تحوّله إلى أداة لإدارة الأزمة بدلاً من حلها، وإلى مظلة سياسية لتمديد الأمر الواقع، لا لتفكيكه.
صحيح أن فتح مساحات للنقاش يُعد أمراً إيجابياً من حيث المبدأ، لكن من الضروري التمييز بين الحوار المجتمعي، الذي يهدف إلى بناء الثقة وتخفيف الاحتقان، وبين المسار السياسي الانتقالي، الذي يُفترض أن يقود إلى إعادة تأسيس الشرعية وبناء مؤسسات الدولة.
الحوارات المجتمعية يمكن أن يقودها الفاعلون المحليون ومنظمات المجتمع المدني، وقد نجح الليبيون في تنظيم مثل هذه المبادرات في مراحل سابقة.
أما تقديم حوار غير مُلزِم، ومفتوح زمنياً، على أنه طريق قريب للحل السياسي، فهو خلط بين المستويات، ويُحمّل الحوار أكثر مما يحتمل.
إن جوهر الأزمة الليبية لا يكمن في نقص المبادرات، بل في غياب مسار وطني واضح المعالم، يربط بين الحوار والنتائج، وبين النقاش والتنفيذ، وبين التوافق والشرعية.
ولهذا، فإن الحديث عن الخروج من الأزمة يظل ناقصاً ما لم يُربط بالهدف الذي يتفق عليه أغلب الليبيين:
الذهاب إلى انتخابات تُنهي المراحل الانتقالية المتكررة وتعيد بناء الشرعية.
لكن من الضروري قول الحقيقة كاملة، دون تبسيط أو شعارات:
الانتخابات لا تُعد حلاً بحد ذاتها، ما لم تتوفر شروطها الأساسية.
والانتخابات تحتاج شرطين أساسيين فقط:
- دستور متوافق عليه.
- إنسان حر الإرادة.
دستور متوافق عليه يحدد شكل الدولة وقواعد اللعبة السياسية، وإنسان حر الإرادة، غير خاضع للإكراه أو الخوف أو سطوة السلاح والمال.
من دون هذين الشرطين، تتحول الانتخابات إلى إجراء شكلي، لا ينهي الأزمة، بل يعيد إنتاجها بأدوات جديدة.
لا يعني هذا الدعوة إلى مقاطعة الحوار، ولا التقليل من أهمية النقاش، بل الدعوة إلى الوضوح والصدق السياسي:
هل نحن أمام مسار يؤسس لحل حقيقي، أم أمام محطة إضافية في إدارة زمن الانتظار؟
الإجابة عن هذا السؤال تظل مسؤولية ليبية بالدرجة الأولى.
فمن دون مشروع وطني جامع، ومسار واضح المعالم، ستبقى الحوارات تدور في حلقة مفرغة، ويظل الواقع السياسي مؤجَّل التغيير.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات