الانتخابات البلدية التي جرت بليبيا السبت، 13 ديسمبر 2025، في تسع مدن، من بينها بنغازي وسبها وطرابلس وطبرق وسرت، جاءت في أجواء ماطرة بدت وكأنها تحمل دلالات تتجاوز الحالة الجوية العابرة، فالمطر لم يكن مجرد خلفية طبيعية ليوم الاقتراع، بل بدا استعارة مفتوحة لحالة سياسية ونفسية مثقلة بالغيوم يعيشها المجتمع، حيث يقف المواطن أمام صندوق الاقتراع مثقلًا بالشك أكثر مما تحركه دوافع الأمل.
فصندوق الاقتراع الذي شُحن لسنوات في الوعي الجمعي بوصفه بوابة التغيير، ووسيلة الخروج من أزمات الحكم وسوء الإدارة، بات اليوم يُستقبل ببرود وحذر، وكأن المسافة بين الفكرة والواقع قد اتسعت إلى حد أفقد الفعل الانتخابي معناه الرمزي والعملي معًا.
الأرقام الرسمية تعكس هذا التحول بوضوح، فعدد المؤهلين للتصويت تجاوز مليوني ناخب، بينما لم يتجاوز عدد المسجلين نحو مئة وعشرين ألفًا فقط، ومن بين هؤلاء لم يشارك فعليًا إلا عدد محدود جدًا، وهي أرقام لا يمكن التعامل معها كخلل إجرائي أو ضعف تعبئة، بل كمؤشر سياسي واجتماعي يعكس موقفًا عامًا من العملية الانتخابية نفسها.
هذا العزوف الواسع لا يمكن تفسيره بالعوامل التقليدية التي كثيرًا ما تُستدعى لتبرير ضعف المشاركة، مثل المخاوف الأمنية أو الظروف الجوية أو محدودية الحملات الإعلامية، فالمراكز كانت مفتوحة، والظروف اللوجستية مهيأة، والطقس على الرغم من رمزيته لم يكن عائقًا حقيقيًا، لكن الامتناع بدا في جوهره اختيارًا واعيًا أكثر منه نتيجة خوف أو عجز.
في قلب هذا الاختيار تكمن أزمة أعمق تتعلق بفقدان المعنى السياسي، فالعملية الانتخابية في نظر شريحة واسعة من المواطنين باتت منفصلة عن حياتهم اليومية واحتياجاتهم المباشرة، فالمواطن لا يرى رابطًا واضحًا بين صوته وبين تحسن خدمات أساسية، مثل الكهرباء أو المياه أو صيانة الطرق، ولا يلمس أثرًا ملموسًا للمجالس البلدية المنتخبة على جودة معيشته اليومية.
في كثير من المدن يعرف المواطن أن المجلس البلدي لا يملك سلطة حقيقية على ملف الكهرباء، ولا على الميزانيات التشغيلية، ولا حتى على جداول الصيانة، وأن قراراته غالبًا ما تصطدم بمركزية خانقة، أو بغياب الموارد، وهو ما يجعل السؤال البسيط يتردد في الوعي العام: ما الجدوى من التصويت إذا كانت النتيجة مجلسًا محدود الصلاحيات محاصر الإمكانات؟!
إلى جانب ذلك أسهم تكرار الاستحقاقات الانتخابية دون نتائج ملموسة في توليد حالة من الإرهاق السياسي، حيث يشعر المواطن بأنه يُستدعى مرارًا لأداء واجب مدني لا ينعكس على واقعه، وهو ما جعل الامتناع عن التصويت يتحول تدريجيًا إلى شكل من أشكال الاحتجاج الصامت.. موقف لا يُرفع فيه شعار ولا تُطلق فيه هتافات، لكنه يحمل دلالة سياسية واضحة.
المطر الذي رافق يوم الاقتراع يضيف بُعدًا رمزيًا كثيفًا لهذا المشهد، فهو يغسل السطح دون أن يغير البنية. كما أن الانتخابات تُنظّم شكليًا دون أن تمس جوهر منظومة الإدارة المحلية، والغيوم التي حجبت الشمس تشبه حالة الشك التي حجبت الأمل، وجعلت كثيرين يفضلون البقاء خارج المعادلة، وكأن السياسة والطبيعة التقتا في إحساس مشترك بمحدودية قدرة الفرد على التأثير.
هذا العزوف يفتح أسئلة جوهرية حول مستقبل الانتخابات المحلية في ليبيا.. هل هو رفض لوجوه محلية بعينها أم تعبير عن فقدان الثقة في المنظومة الانتخابية نفسها؟ وهل يمكن أن يتحول الامتناع عن التصويت إلى أداة ضغط جماعي تعيد تعريف دور البلديات وصلاحياتها أم أنه سيُقرأ بوصفه لا مبالاة تُستخدم لتبرير استمرار الوضع القائم؟
الإجابة عن هذه الأسئلة لا يمكن أن تكون تقنية أو إجرائية فحسب، بل تتطلب مقاربة سياسية واجتماعية شاملة، تعيد ربط الانتخابات بالنتائج، فاستعادة الثقة لا تمر عبر تكثيف الدعوات للمشاركة، ولا عبر خطاب الواجب الوطني، بل عبر ربط الصندوق بصلاحيات واضحة وموارد معلنة ومشاريع محددة، يمكن قياس أثرها ومحاسبة القائمين عليها.
المواطن لا يطلب معجزة، بل علاقة سببية واضحة بين صوته وما يراه في شارعه وخدمته اليومية. كما يحتاج إلى شفافية تُظهر حدود المسؤولية، حتى لا تتحول الانتخابات إلى عملية تبادل للفشل بين المركز والبلديات.
العزوف الذي شهدته هذه الانتخابات ليس فراغًا سياسيًا، بل خطاب غير منطوق يقول بوضوح إن الليبيين لا يرفضون الانتخابات، بل يرفضون انتخابات بلا معنى، وصندوقًا لا يغير واقعهم، وفهم هذه الرسالة هو الخطوة الأولى لتحويل الانتخابات من طقس شكلي متكرر إلى فعل سياسي واجتماعي، يعيد للمواطن ثقته، ويمنح لصندوق الاقتراع شرعية حقيقية.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات