Atwasat

مليطان والإسرائيليات

منصور بوشناف الخميس 27 نوفمبر 2025, 06:15 مساء
منصور بوشناف

في أطروحته الجامعية والتي صدرت في كتاب تحت عنوان «التفكير الأسطوري في الإسرائيليات» يتناول الباحث والكاتب عبد الله مليطان نشأة التفكير الأسطوري وتأثيره في ثقافتنا الإسلامية، على الرغم من أن العنوان يوحي بأن الأمر يتعلق بالديانة اليهودية.

مليطان وعبر هذه الدراسة المهمة يحاول أن يغربل وينقي الفكر الإسلامي من الكثير من الأفكار والشوائب ذات الطابع الخرافي والتي كما يدلل كتابه هذا جاءت إلى الإسلام من اليهودية، معتبرا اليهودية مصدرا لكل هذه الأفكار والشوائب وحتى الفتن التي جرى زرعها وسط الأمة، تآمرا لتدمير الإسلام من داخله، بخلق واصطناع الخلافات حول وقائع التاريخ وتفاسير السنة والقرآن.

مليطان ينطلق من مبدأ أن للأفراد التأثير الأهم في حركة التاريخ، وأن المؤامرة والدسيسة هما الأداة الفعالة التي استخدمها أولئك الأفراد لتدمير حضارة الآخر لنصرة حضارتهم الخاصة، أو من أجل تنفيذ مشروعهم «الإسرائيلي» الخاص، وعلى هذا النحو يصبح بناء وسيادة حضارة هؤلاء المتآمرين لا يتم إلا بتدمير الحضارة الأخرى «الإسلامية».

إن أنقاض حضارة الآخر هي المفيد الوحيد من هذا الآخر.

هذا الفهم لحركة التاريخ لا يمثل شطحة خاصة ولا بدعة ابتدعها مليطان، فهو ينتمي بهذا الطرح لظاهرة كبيرة ومؤثرة في فكرنا العربي والإسلامي، منذ الفتنة الكبرى وحتى يومنا هذا، هي ظاهرة فهم حركة تاريخنا على أنها وفي غالبها كانت نتيجة لفعل المؤامرة فينا، نظرية المؤامرة التي ظل الفكر والتخطيط الصهيوني اليهودي إضافة إلى الصهيوني المسيحي اليوم يحيكها وينفذ فصولها على أمتنا ويحرك بها تاريخنا نحو الخراب والفناء ولسنا عبر هذا التاريخ الطويل إلا دمى تحركها الأصابع الخفية، وتلك قراءة تحمل الكثير من الوجاهة والمصداقية، فالتاريخ ليس في الكثير من فصوله إلا صراع إرادات.

مليطان وعبر هذه الرسالة الجامعية والتي أشرف على إعدادها الدكتور «علي فهمي خشيم» يواصل ما بدأه تيار الإصلاح الديني الذي شهدته المنطقة وبدايات المراجعة لأفكار ورثناها من زمن الدروشة والخرافة، لقد كانت قضية التنوير والعقلنة هدف هذا التيار الواسع الذي هيمن على المنطقة متكئا على، وموظفا الرفض الشعبي والشعور العام بخطر المخططات الصهيونية في المنطقة.

مليطان هنا يجذر للمؤامرة، منذ الفتنة الكبرى وحتى ضياع فلسطين وتكوين الكيان الصهيوني ونجاحات تلك المؤامرة في تدميرنا من الداخل والاستيلاء على كل ما كان لنا.

الفتنة الكبرى، مؤامرة، الاغتيالات السياسية، مؤامرة، تفاسيرنا الخرافية للتاريخ مؤامرة، والأهم هنا أن كل ما ورد في تفاسيرنا للقرآن وللسنة وللتاريخ من خرافات ومفاهيم تتنافى مع العقل والمنطق ليست إلا وكما يؤكد مليطان في رسالته هذه إلا دسائس جرى دسها في عقول مفسرينا ومفكرينا من قبل يهود اعتنقوا الإسلام أو تظاهروا باعتناقه لتخريبه من الداخل وذلك بزرع بذور الخرافات والفتن.

الرسالة تنقسم إلى أربعة أبواب
في الباب الأول يتناول الباحث تعريف الإسرائيليات ومصادرها وطرق انتشارها وكيف جرى تسريبها وزرعها في التربة الفكرية الإسلامية.
في بقية الأبواب يتناول بالتاريخ والتحليل لشخصيات «أفراد» كانت وراء دس وانتشار الإسرائيليات في الفكر الإسلامي ككعب الأحبار وعبد الله بن سبأ.

عبر الباب الأول يقدم مليطان تعريف الإسرائيليات وتطور هذا التعريف ويصل إلى أن «الإسرائيليات» وكل التعريفات التي وضعت لها لا تختلف عن بعضها كثيرا بل تكاد تتفق جميعها في أن الإسرائيليات هي وكما يقول د مصطفى حسين مصطلح في التراث الإسلامي، أريد به نمط من الأفكار والتفسيرات والحكايات، بعضها من الثقافة اليهودية والأخرى من الثقافة المسيحية.

الباحث مليطان يشير إلى أن القدامى من مفكرينا ومفسرينا لم ينظروا إليها إلا على أنها خرافات لا تصل خطورتها إلى ما يراه المحدثون فيها الآن، وهنا وكما أشرت سابقا فإن التركيز والاهتمام بدراسة هذه الإسرائيليات الآن وخطورتها ونظرية المؤامرة تعتبر نتاجا حديثا وموقفا فكريا وسياسيا حديثا نتج عما مثله ومارسه الخطر الصهيوني على الأمة العربية الإسلامية في العصر الحديث.

في هذه الرسالة لا نرى تأثير الثقافة الفارسية المدمر والضار للثقافة الإسلامية إلا في موضوع الشعوبية وكذلك الثقافة الهندية واليونانية وحتى الرومانية والنصرانية حيث يبدو التأثير والتأثر إيجابيا إلا في القليل.

التفكير الأسطوري يبدو كمصطلح حائر، ليس بالنسبة لمليطان بل لغالبية الدارسين، يظل حائرا بين أن يعني «الخرافي» أو «الفلكلوري» أو أنه أسطوري حقا، لأنني وحسب ما أعتقد كان الفكر الإسلامي محصنا ضد الأسطورة، لأن الأسطورة نتاج عقائد وتصورات تعدد الآلهة وتعدد الأصوات وصراع الإرادات بين تلك الآلهة.

الأهم هنا بالنسبة لي هو عدم تناول التفكير الأسطوري كبنية لها تاريخ في الثقافة العربية نفسها حيث الكثير من التصورات والتفسيرات للتاريخ وللكون هي في أصلها نتاج للثقافة العربية الجاهلية وإن لونتها اليهودية بألوانها.

«التفكير الأسطوري في الإسرائيليات» كتاب للباحث عبد الله مليطان في منتهى الأهمية بالنسبة للثقافة في ليبيا، فهذا الموضوع ورغم الكثير من الكلام الليبي عنه وعن المؤامرة إلا أنه ظل كلاما متناثرا، ويعتبر هذا الكتاب أول عمل أكاديمي يستند إلى منهج علمي في البحث والاستنتاج وتناول هذا الموضوع الحساس.

إن الإسرائيليات وبكل أسف استطاعت أن تكون جزءا من تكويننا الفكري والثقافي ومنهج مليطان النقدي في تناول هذا الموضوع هو مواصلة وترسيخ لجهود الاتجاه النقدي في قراءة تراثنا والتعامل معه بموضوعية علمية وربما هذا هو المكسب الحقيقي الأهم من هذه الدراسة

إن نزع القداسة عن الكثير من الأفكار غير المنطقية في تراثنا وفي ثقافتنا هي منهج التصويب والتقويم بالنقد.

إنه مشروع حقيقي للنهضة، مشروع للوقوف بعقلانية وموضوعية أمام تراثنا من أجل أن نقف بعقلانية وموضوعية أمام حاضرنا لتنقيته من إسرائيلياتنا المعاصرة.

هذا جهد أكاديمي يستحق الاهتمام والدراسة وبالطبع الشكر والتقدير لعبد الله مليطان والرحمة للدكتور علي فهمي خشيم، الذي يظهر تأثير منهجه واضحا وجليا في هذه الدراسة.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»