Atwasat

تحت الرادار وخارجه

جمعة بوكليب الأربعاء 26 نوفمبر 2025, 02:40 مساء
جمعة بوكليب

في عام 2017، بمناسبة مرور الذكرى الخمسين على حرب يونيو/ حزيران عام 1967 بين إسرائيل من جهة ومصر وسورية والأردن من جهة أخرى، بثت قناة بي بي سي برنامجًا توثيقيًا من إعداد مراسلها في الشرق الأوسط، جيرمي بوين.

تناول البرنامج إجراء مقابلات عديدة مع قادة عسكريين وسياسيين ممن شاركوا في تلك الحرب. كان من ضمنهم ضابط طيار إسرائيلي، من ضمن السرب الجوي الذي قاد الهجوم على المطارات العسكرية المصرية ودمّرها وأخرج السلاح الجوي من المعركة، وبذلك تُرك الجيش المصري في صحراء سيناء من دون غطاء جوي وتحت رحمة السلاح الجوي الإسرائيلي.

خلال المقابلة، ذكر الضابط الإسرائيلي أنه ظل يقود طائرته لمدة 50 دقيقة تقريبًا طائرًا على ارتفاع منخفض، حتى كاد بدن الطائرة الحربية يلامس ماء البحر، تفاديًا لرصد الرادارات المصرية.

الطيران تحت الرادار (under the radar) ما يزال ساري المفعول إلى اليوم في الحروب. وقد استُعير التعبير من المجال العسكري إلى مجالات حياتية عديدة، خاصة في مجالات الأعمال والاختراعات التكنولوجية.

ولعل أغلبنا يتذكر رئيس شركة آبل الراحل ستيف جوبز حين كشف لأول مرة عن اختراع جهاز هاتف خلوي أطلق عليه اسم آي فون. ذلك الاكتشاف أحدث ثورة في مجال صناعة الهواتف الذكية وأدخل البشرية مرحلة جديدة.

العمل في الاختراع الجديد اتسم بسرّية مطلقة، أي تمّ تحت الرادار، بحيث فاجأ المنافسين وقت الإعلان عنه، ومنح الشركة المصنّعة امتيازًا سوقيًا عاد عليها بأموال طائلة وشهرة.

خارج الرادار (off the radar / out of the radar) تعبير مختلف يقصد به أن جسمًا طائرًا خارجًا عن نطاق التغطية الرادارية. وانتقل التعبير إلى المجالات الحياتية المدنية تعبيرًا عن الاختفاء التام أو النسيان، للدلالة على شخص أصبح غير مهم أو منسي من دائرة الاهتمامات الاجتماعية.

بالطبع هناك فرق بين الاختفاء والنسيان. الأول قد يكون طوعيًا باختيار شخص إخفاء نفسه بعزلها كما يفعل النُساك، أي بالتوقف عن الظهور والحضور في الدوائر الاجتماعية التي كانت مألوفة له.

وقد يكون إجباريًا بفعل آخرين. في حين أن التعرض للنسيان أمر مختلف يقوم على تضاؤل الوجود في ذاكرة الآخرين نتيجة اللامبالاة أو عدم الاكتراث، ويصبح كأنه مهمَل. وباختصار فإن الاختفاء يثير السؤال: أين هو/هي؟ وفي حالة النسيان، فإن السؤال لم يعد يُطرح مطلقًا.

التراجع إلى العالم الداخلي، بعد تجاوز العام السبعين من العمر، بعيدًا عن صخب الضجيج اليومي يقود إلى الاختفاء، أي الاكتفاء بالحنين زادًا ورفقةً، الأمر الذي يجعل الأبواب مشرعة أمام النسيان في ذاكرات الآخرين للدخول والحضور: المُختفي طوعًا يصبح فعليًا منسيًا.

رحلات التأمل اليومية، مصحوبة بالقراءة، والذكريات والتحركات اليومية القليلة بغرض تحريك الدم المجمّد في يبس الشرايين والأوردة، مضافًا إليها قلة ساعات النوم، تضيّق فسحة الحياة، وتصيبها بالجَدب.

الهاتف الخلوي الشخصي يُصاب بالعدوى ويصير مجرد قطعة بلاستيكية بكماء، ونافذة الغرفة التي تطل على النهار والليل تتحول إلى كوّة تذكّر بما خارج الصدفة من حياة لم تعد تملك غواياتها. زقزقة العصافير تصير مثل عشق قديم يزور الروح من حين لآخر، يدعوها للرّفيف. لكن ضعف الجناحين وهزالهما وفقدان الرغبة يقفون حائلًا.

بين حموضة الوحدة، وبرد الوحشة، وعتمة غياب التواصل الإنساني، وبين حلاوة وعذوبة الذكريات، تتشكل أطراف معادلة حياتية في حياة الكهل، على أمل خلق توازن نفسي، يساعده على التعامل مع واقعه الجديد بعقلانية تقترب من الحكمة، قائمة على القبول بالعيش في واقع ليس بالإمكان قلبه أو تغييره.

يظل الكهل السبعيني، في خضم تلك المعادلة الصعبة، يدرك بعقله سر التحول. لم يعد «تحت الرادار» يسعى للتخفي، ولا «خارج الرادار» يشكو النسيان. بل يتحوّل النسيان نفسه إلى عباءة فضفاضة من التحرر الواهم كأنه سلوى. إذ بقدر ما تضاءلت غوايات الحياة وفقدت تأثيراتها، تلاشت معها كذلك قيود التوقعات والمسؤوليات التي كانت تُثقل الشباب.

يغدو المنفى المختار حيث يعيش، حصنًا حصينًا في حالات، وفي أخرى هروبًا بائسًا بلا مخارج أو منافذ. هناك، من المحتمل أن يبدو للكهل أن النهر يجري في داخله هو لا خارجه، أو يشعر أن دقات الزمن هي إيقاع نبضات قلبه الواهن بعد صخب سباق الحياة.

وقد يقنع نفسه أخيرًا أن القيمة الحقيقية لا تكمن في أن يُرى أو يُذكر من الآخرين، بل في أن يَرى ذاته بوضوح ويتمعّن متفحصًا في لمعان جوهره وتمحيصه قبل أن يحين الوقت وتبتلعه الظلال.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»