Atwasat

التعليم.. المقعد الأخير في فصل التنمية

إنتصار فتحي الأربعاء 19 نوفمبر 2025, 10:45 مساء
إنتصار فتحي

في سنوات الدراسة الابتدائية، كنت - مثل كثيرين - أظن أن الجلوس في «الدرج الأخير» داخل الصف، هو علامة على الإهمال. كان من يجلس هناك إما معاقباً بصمت، أو هارباً من رقابة المعلم، أو ببساطة ليس من المتفوقين.

يبدو أن ذلك المقعد كان عنوانا لموقعنا من الاهتمام.
لكن براءتنا لم تستوعب حينها، أننا كنا نعيش ترتيباً رمزياً يشبه المجتمع كله.
يجلس في المقدمة من يسمع صوته، وفي الخلف من يطلب منه أن يصمت.

كبرنا، وتركنا التعليم وحده في المقعد الخلفي! ليست له أي أولوية اليوم من الموازنات التي تصرف على كل شيء، إلا العقول!

تهميش «المدرسة» لدينا موروث فكري ممتد منذ عقود، فبحسب تقرير البنك الدولي للعام 2024، فإنه رغم ارتفاع الإنفاق الحكومي الإجمالي، إلا أن الإنفاق التنموي الفعلي تراجع بنسبة 77.8% بعد أن ذهبت معظم الميزانية إلى الأجور والتسيير.

وقبلها أشارت يونسكو العام 2023، إلى أن أسرة من كل خمس أسر ليبية لديها طفل خارج المدرسة. بيانات كأنها لم تعننا أو تتحدث عن بلد آخر.

لكن خروج الأطفال من المدارس، بسبب الظروف الاقتصادية أو الاجتماعية، لا يقتصر على نقص عدد المتعلمين فقط، بل كأنه يمهد لبداية مرحلة أخرى ينتقل فيها التعليم إلى درجة «الرفاهية!»، وهذا يعني أنه بعد سنوات من الآن، ستكون الفوضى أكثر ملاءمة -بالنسبة إلينا- من النظام، فما ضمانات مجتمع يخترقه الجهل من الانزلاق إلى قاع العشوائية مجددا؟

ومتى سنتوقف عن معاملة ميزانية التعليم كأنها عبء إداري، عوض أن تكون استثماراً وطنياً.
ربما لا يكمن الخلل فقط في سوء إدارة الإنفاق؛ بل في الطريقة التي نوزع بها الفرص. ففي ظاهرة تكررت لمرات، حين نفتح قوائم الإيفاد للدراسة في الخارج، لنجد أن كثيرًا منها لا تعكس معيار الكفاءة. وكأننا نصدر مقاعد الدراسية لمن يملك «الواسطة».

في كل مرة رفعنا شعار الإصلاح، بدأنا من رأس الهرم، ولم نؤسس لقاعدة!

فالمدرسة التي تعد حجز الزاوية للمجتمع، كان يفترض أن تغيّرنا للأحسن، لكن واقعا لا يوجد بيننا كثيرون يستطيعون القول إنهم اكتسبوا مهارة فكرية من الحصص الدراسية غير الخضوع! والحفظ والتكرار!

كبرنا ونحن نردد ما يقال لنا، حتى مصطلح (التنمية) صار عندنا شعاراً مألوفاً، لا مفهوما نراجعه. بين المصروفات الضخمة، والرفع من مستوانا المعيشي، انصهر ذلك المعنى.

منذ سنوات، نبذل نفس الجهد، ولم نفكر في تغيير الاتجاهات، كل حكومة جاءت، رفعت أضخم اللافتات للإعلان عن برامج الإحياء، فهل تبنى الإصلاحات لتبقى أم لتعرض؟

لعل ضالتنا ليست في المشاريع، بل فينا نحن، في خوف قديم، تسلل من مقاعد الدراسة، إلى تفاصيل حياتنا العامة، حتى صار أسلوبا في التفكير!

ما زلنا عندما نقيم مشروعا، نجلب عناصر أجنبية لتشرف عليه أو تديره، بينما تكتفي كوادرنا بالتصفيق. ربما لأنها تربت على التلقين! ولا تعرف كيف تبدأ، كأنها لم تخرج من الصف الدراسي بعد.

وحين خرجت اليابان من الرماد، بعد الحرب العالمية الثانية، لم تبدأ بناطحات السحاب، بل بخطة تعليمية صارمة علّمت جيلًا كاملًا، أن النظام مسؤولية فرد، وأن الإصلاح يبدأ من الحصة المدرسية. تلك كانت استراتيجية مبكرة سبقت التكنولوجيا، وأسست لنهضة حية.

في نهاية كل هذا، لا يعود السؤال عن التعليم سؤالاً موجهاً لوزارة أو حكومة فحسب.

بل سؤالاً نعيده إلى أنفسنا:

هل نريد فعلا أن نكون جزءاً من الحل، أم نكتفي بدور المتفرج الذي ينتظر من يبني له الطريق؟
التعليم ليس مبنى، بل شرطٌ أساسي لأي تغيير يمكن قياسه، كما أثبتت اليابان حين بدأت من الفصل الدراسي.

وإذا كان العالم قد أثبت أن المدرسة هي نقطة الانطلاق، فلماذا نترك المقعد الأخير في الفصل، فارغا من الاهتمام، ثم نطالب الدولة بنتائج مختلفة؟

ربما تكون المشكلة أن التنمية عندنا تعامل كفكرة حكومية، بينما هي -كما أثبتت تجارب الدول- لا تعدو كونها شراكة مجتمعية.

فالدولة تضع الخطة، لكن المجتمع هو من ينهض بها، لهذا يصبح السؤال النهائي أبسط لكنه الأعمق، هل نريد تنمية تقدم لنا، أم تنمية نشارك نحن في صناعتها؟



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»