Atwasat

أبيات الشعر الأزرق (3- 3)

سالم الكبتي الأربعاء 29 أكتوبر 2025, 10:30 صباحا
سالم الكبتي

(لا تقل لي فات الأوان فحسبي
إن فينا عزم الحياة وإني
وأذكريني يا حالكات الليالي
وتأن يا صاحبي وارو عني)
أحمد الضبيع

بنغازي غيماتها شعر في الخريف ثم مطلع الشتاء. آفاقها شعراء وكلمات مجنحة تعانق البعيد. كان الشعر مطلوبا. ملاذا وكهفا للحائرين. قوتا يوميا لمن يهتم ويتذوق ويتابع ويهرب من قلق الأيام.
بدايات شعر الضبيع كانت خجولة في سبها عام 1966. يومها كان في آخر مراحل الدراسة الثانوية. الشعر في سبها يطوف ويتجلى أيضا. البداية اسمها (فجر بلا شروق). حكاية مكثفة عن ذكريات حب تحطم. عتاب تحمله تلك البدايات للنفس.

تغرق في حزن عميق. دائما البدايات تفصح عن كسور أو جروح. وحين أقبل العام 1970 ومعه حل في المنتصف صيف لاهب مثل كل الأصياف. أعوام أربعة لونت التجربة الشعرية للضبيع بتشكيلات جديدة ومسارب أخرى. كان لا بد للتجربة أن تنضج ومعها بعض الحزن والكثير من الانكسارات وتحليق لقليل من التفاؤل.

تغيرات تحدث والشباب من جيل الشاعر يعايش تقلبات وأحداثا جديدة. معها قبول.. ومعها من جانب آخر ضيق وتململ. جاءت السبعينيات ومضت الستينيات. القرن يقارب على الزوال. كان الحراك في الأعوام التي مضت من تلك الستينيات تفعم الأجواء كلها بالفلسفة والقلق والخوف من المجهول. يكاد يصل العالم إلى الحافة. في صيف مضى منذ عام وصل الإنسان إلى سطح القمر. فوق الأرض كان الشعراء يتغزلون فيه بلا انقطاع. المظاهرات وحرب فيتنام والمقاومة في فلسطين وتمرد الطلاب. وغير ذلك من حراك. هذا كله ترك ظلالا على جيل الوطن الذي أضحى في منطقة الوسط لا يروم حراكا. صدمة التغيير أو العملية الجراحية العنيفة غير المتوقعة التي غيرت البلاد.

مفهومات جديدة برزت. البعض بدأ يفكر في الهجرة والرحيل. البعض يذهب لدراسة برامج في اللغة في بريطانيا. معارف جديدة. نشاط المركزين الثقافيين الأميركي والبريطاني يتلاشى ويصل إلى التوقف. سياسة تبدلت. سبعينيات قادمة. الصيف لاهب وهناك في الشرق صدامات أيلول في تلال عمان والمنطقة تهتز. إنها بداية لليوم التالي.. لأزمات سريعة قادمة. نيران تهب. شيء يتشكل في المنطقة. أجواء الأجيال يلاحقها التأثر.. والشعر يملأ الآفاق في البلاد.. والمنطقة.

الجامعة وطلابها. نحو الامتحانات في كلياتها. وبنغازي غيماتها في الخريف شعر ومطر. في كلية الحقوق عند قدمي البحر لا وقت للشعر في الغالب عند الضبيع. يضيق بالامتحانات.. بالاستعدادات لها التي تأكل وقته. ممرات الكلية تشهد وقع خطوات الدفعة السادسة. وأنفاس أساتذة كبار.. علي علي سليمان وعبدالعالي عطوه ومحسن الشيشكلي وخالد عريم وإسماعيل مرزه وزكي الدين شعبان..... وغيرهم.

ثم الأمسية في يوليو. في جيل ورسالة عن الابتهاج بأبيات الشعر الأزرق. ثمانية قصائد متنوعة خلال السنوات الأربع ما بين سبها والحقوق.. ما بين الصحراء والبحر. وصوت الشعر العميق لا يضيع. فرحة بصدور العدد الممتاز. القراء يعانقون ديوان الشلطامي (تذاكر للجحيم) المصاحب للعدد وفي وسطه أبيات أحمد الضبيع. أول مرة في نطاق واسع يتعدى حدود الكلية والجامعة تصافحها أيضا عيون القراء.

خطوات مقبلة تقرع الأرصفة والدروب لشاعر يدرك أن (فواصل الزمن عندما تتلاشى ينشر الشك ظلاله الزرقاء على أرصفة اليقين).. لشاعر يدق الأبواب متمسكا بأهداب القاعدة الشرعية وهو طالب الحقوق التي تقول بوضوح (لا ينسب لساكت قول لكن السكوت في معرض الحاجة إلى البيان.. بيان). يلتقي الشعر والقانون.. يتجليان لنصرة الحقوق عند المغلوبين والمأسورين.

تصدر الأبيات الزرقاء حافلة ومتنوعة بين التعثر والصمود. وتحمل في كل الأحوال تطورا ونموا يضاف إلى الحركة الشعرية الليبية الحديثة. أغلب الشعر الأزرق يحافظ على الشكل التقليدي الكلاسيكي بروح معاصرة. عبر كل الأبيات يشم القارئ رائحة.. إبراهيم الأسطى عمر.. وعبد الباسط الصوفي.. ونزار قباني. ويتلمس خطوات المزيد من الشعراء الكبار. احتوت عناوين لقصائد هي فجر بلا شروق وأغنية محظورة وهوامش على دفتر الامتحانات وأبيات من الشعر الأزرق وأنا والفأر ونشيد الصمت وأراجيف. الأخيرة كانت صدى قويا ورائعا للتجربة وأخذت الشكل الحديث للقصيدة بعيدة عن الإطار العمودي. هي خلاصة القصائد. آثر الضبيع أن لا يضيف قصائده القديمة.. وحدي ومن لي يا طريق ورحيل والعيد في ودان. بعضها نشره في قورينا أيام صدورها بواسطة الآلة الكاتبة.

تجربته في الدراسة تكملها السنة الدراسية الأخيرة في الحقوق بمصر حيث يتخرج وهناك أطياف وأصداء نضال القانون والحق.. عبد الحميد بدوي وعبد الرزاق السنهوري ومحمد بوزهرة وغيرهم. وبعد ذلك ينقطع الشعر بالمهام في هيئات القضاء لكنه ظل حبيس الأدراج. لعل الأيام المقبلة تبشر بجمعه وإصداره في ديوان جديد يعزز النشاط الثقافي الراكد في البلاد.
أراجيف كانت تحديا لكل الأراجيف الباقية والعالقة. يصيح الشاعر بملء الحنجرة:
(ثم ماذا يا أباطيل الحواه
رقص الثعبان حينا..
في يد الساحر حينا..
ثم ماذا.. ثم ماذا..
ألف اه.
لن تعض الحية الرقطاء قلبي
لن تميت الرقصة الرعناء حبي
يا أباطيل الحواه..
ومضينا...
وبكى الساحر محزونا وسار
وأتى فجر من التاريخ يختال إلينا
حاملا في جعبة الأحلام شمسا ونهارا
اه يا بعد الديار
وأماني الخفافيش وأحقاد الصغار
ثم ماذا.. ثم ماذا؟!
يا ثعابين النفايات الجديدة
الدم المسفوح من جرح قصيدة
والأناشيد الكسيرات الفؤاد المستريبة
وأراجيف المناشير الطوال!
ذكرتني أن آفاقي بعيدة
ومعاريجي صراعات ودمع ونضال
آه يا صمت الجبال!
وتفاهات المخانيث وأشباه الرجال.
ثم ماذا يا عناقيد الدوالي
بسمة الصبح وطير يترنم
المواويل الكئيبات وأحزان الموالي
صرخات كابيات في فؤادي تتضرم
ألف فلاح يغني:
يا ليالي
ألف عار تحت فأسي يتهشم..
فتعلم
كيف تجني من خيوط الشمس محرابا ودار
وفساتينا لأعراس الصبايا..
وهدايا..
وأناشيدا لأفراح الصغار
اه يا بعد الديار. وأماني الخفافيش أحقاد الصغار
لا انتظار.....)
كان ذلك ذات مساء في بنغازي في اليوم الرابع عشر من ديسمبر 1969.
فعلا لا انتظار



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»