عملتُ منذ أكثر من عقدين على مشروع كتاب؛ يبدو في ظاهره سيرة، لكن باعثه سؤال طالما لاحقني مفاده: ما الذي يجعل أحدنا يبدأ في مراهقته بكتابة خواطر في كراسة أو رسائل حب، يستمر ولا يتوقف عن الكتابة؟
الإجابة التي أفكر فيها الآن، وقد تتغير بعد قليل، كون الإنسان بطبيعته له ميل فطري لتحقيق ذاته، أو لترك شيء خلفه يُتذكر به في حمى خوفه من النسيان، أو مغادرة الحياة دون ذكرى يشاركه فيها عدد غير محدود من البشر الآخرين الذين هم غالباً مشغولين بتحقيق ذواتهم بسبل أخرى. قد يذهب هذا النزوع لتحقيق الذات أو البرهنة على وجودها إلى رغبة في الثراء، أو السعي إلى منصب كبير، أو دخول موسوعة جينز عبر تحطيم رقمي قياسي ولو بالمشي مقلوباً على يديه، أو بلوغ أعلى قمة على الأرض، أو القفز بمظلة أو دونها، إلى آخر المغامرات التي تأتي في سياق خوف الإنسان من أن ينمحي كأي كائن مؤقت، خُلق دون وعي بالزمن خلَصه من هذه الهواجس.
اختيار الورق والقلم والشروع في الكتابة كتميمة تحمي من كابوس النسيان، قد يكون مرده إلى الكسل أو الخوف، وبمنأى عن المغامرات التي قد يدفع الإنسان حياته ثمناً لخوضها، وتبدو الكتابة المعتزلة في بدايتها طريق آمنة صوب إشباع هذا الوهم النرجسي. ولكن، هل هي فعلاً طريق آمنة؟ هل مثلاُ اختيار المرء سبيلاً لتحقيق ذاته عبر كتابة قصة قصيرة أو قصيدة ينأى به عن المخاطرة؟ لا يبدو. وأعرف أصدقاءً اختاروا هذه السبل الناعمة لتحقيق الذات لكنهم دفعوا الثمن فيما بعد سنينَ طويلة في السجن، فضلاً عمن دفعوا حياتهم ثمناً لهذا الخيار الذي بدا لهم في عمرهم الغنائي سبيلاً آمنا لمقاومة النسيان.
في الكتاب الذي ذكرتُ، وما زال مخطوطاً، ستصعب الإجابة عن السؤال، لكن المتعة تكمن في نزهات البحث عن الإجابة التي جعلت من المشروع نوعاً من التسكع في الذاكرة واستجوابها كي تبوح بما يمكن أن يسعف ظمأ هذا السؤال، وكان خلط الوقائع الحياتية بالفضول المعرفي وبالتريث عند مكامن الدهشة رحلةً شاقة لا يمكن أن نصفها سوى بالضالة، وما أجمله من ضلال حين تكون الهداية يقيناً كل ما يصبو إليه أن تكون عند حسن ظن الآخرين فيك، وتصبح مهنتك الشريفة تخييب هذا الظن ما وسعك ذلك.
سمَيتُ المخطوط بدايةً «بصيرة الشعر» وأردفتُه كما يفعل المتحذلقون عادة بعنوان جانبي «سيرة قصيدة في مكان». (بصيرة) لها معنى في الفصحى، ومعنى في اللهجة الليبية، وفي الأولى معناها معروف، لكن في اللهجة نطلقها على الشيء الغامض الذي لا تعريف له، وهو منحى يقترب كثيراً من تعريف الشعر، أما سيرة قصيدة بدل سيرة شعرية، فمبعثه أن ما يكتبه الشاعر في كل حياته هو قصيدة واحدة موزعة على عناوين أو كُتب، ولأنه كما يقول أوكتافيو باث قد نختلف حول ماذا يعني الشعر لكن لن نختلف حول ما هي القصيدة.
بعثتُ المخطوط للصديق الشاعر عاشور الطويبي، وكعادته وبجديته التي لا حد لها قرأه باهتمام وبعث لي بملاحظات فطِنة أتبعت معظمها، ونقّحتُ المخطوط بما يستجيب لهذه الملاحظات ولِما استجد في ذهني من أفكار تعكر صفو تلك الرؤى الساذجة التي كُتبت قبل عقدين، وأبدلتُ اسم الكتاب بـ«بخور الشعر» ولا أعرف لماذا؟ لكن ربما لأسباب جمالية، أو لحبي للبخور، أو لأنه الدخان الوحيد الحميمي الذي يتصاعد في زمن الأدخنة السامة التي تحجب لون السماء وتهدد الأرض، وربما لأن أمي كانت تعالج أي توتر يطرأ ببثها سحابات البخور التي تعتقد أنه يبعد الشياطين والحسد. غير أن نسختي المنقحة ضاعت حين غرق جهازي في إعصار دانيال، وبقدر ما كانت هذه الخسارة موجعة، ذكَّرتْني بطُرفة حدثت من عقود، بطلها مخطوط شعري كُتب في جنوب لبنان، يذكُر الشاعر السوري علي الجندي ـ في مكان ما، ما عدت أذكره ـ أن شقيقه أخبره أن مخطوطه الشعري الأهم احترق تماماً عندما قصف الطيران الإسرائيلي بيته في الجنوب، فقال له الشاعر الجندي، وهو يمازحه أو لا يمازحه: أول مرة أعرف أن الطيران الإسرائيلي ناقد ممتاز! ولم يصف ردة فعل شقيقه الذي كان في حاجة للمواساة أكثر من حاجته لنكتة جارحة، وحين غرق جهازي بالمخطوط تذكرتُ بعد هدوء الأحزان هذه الطرفة وقلت لنفسي، دون أن أعطي مجالاً لخفة ظل شخص آخر: هل إعصار دانيال ناقد ممتاز؟! وقبل أن أضحك تذكرت أني بعثت بالنسخة المنقحة للصديق الكاتب نوفل نيوف النازح من هجير الحرب إلى صقيع كندا، وحين تواصلت معه بعث لي النسخة المحفوظة عنده. وعاد مخطوطي من تسكعه الرقمي في هذا العالم، مثلما عدت بعد تسكع في الذاكرة دون إجابة لسؤاله المُحفّز، أو بالأحرى بعديد الإجابات المقترحة التي أرجو من القارئ ــ إذا قُدِّر لهذا المخطوط أن يُنشر ــ أن يضع خطاً تحت الإجابة الصحيحة. (قبل ذلك بعث لي الطويبي النسخة غير المنقحة بعد ملاحظاته).
في مدخله اقتبستُ رأياً للشاعر البرمنجهامي ويستن هيو أودِن، وهو شاعر تسكع في العالم بقصائده وكتب عن رحلاته، قبل أن ينزح إلى الولايات المتحدة ويستقر فيها، هرباً من وصفه في أوساط الثقافة البريطانية بالشاعر السياسي اليساري، واشتهر بقصيدته الطويلة «عصر القلق» والتي أصبح عنوانها عبارة متداولة تصف العصر الحديث. يقول أودِن «إن وظيفة الشعر الأساس، شأنها شأن وظائف كل الفنون الأخرى، جعْلُنا نعي أنفسنا والعالم من حولنا وعياً أكبر. لكني لا أعلم إن كان مثل هذا الوعي الزائد يجعلنا نتصف بأخلاقية أكبر أو كفاءة أفضل. أتمنى ألّا يجعلنا كذلك. أعتقد أنه يجعلنا نتصف بإنسانية أكبر، وأنا متأكد تماماً أنه يوجد صعوبة في خداعنا، ولعل هذا هو السبب في أن كل نظرية للدولة الاستبدادية بدءاً من أفلاطون فنزولاً، ارتابت ارتياباً شديداً بالفنون. فهي تلاحظ وتقول أكثر مما ينبغي ملاحظته وقوله، وعندئذٍ يبدأ الجيران بالكلام.». وأضيف رغم تحفظي على ربط الشعر بالوظيفة، أن تحقيق الذات يكمن في هذه الغاية بالذات، أن نتصف بإنسانية أكبر ولو بالمفهوم الدارويني للتطور، وليس بالضرورة أن نتصف بأخلاقية أكبر، وإن كان مفهوم (الإنساني) يُتبنى عادةً كمرادف للأخلاقي، غير أن كلا من غاندي وهتلر يوضعان في جدول الثدييات تحت خانة (الإنسان) نفسها.
وبعد المدخل المقتبس، اقترحتُ هذه التوطئة في المخطوط الذي نجا من الغرق أثناء نزوحه إلى كندا «حرصت، أو بمعنى أصح أردت منذ بداية علاقتي بالكتابة، أن أكون شاعراً، وأُخلص للشعر فقط وفق اعتقادي آنذاك بأهمية التخصص والتركيز على النوع الفني الذي اخترته أو اختارني، لكنني وجدت نفسي منساقاً دون أن أخطط للكتابة النثرية، والمقالة خصوصاً، وكان مأتى ذلك كوني وجدت نفسي مضطراً للدفاع عن نصي الشعري الذي كان يغامر بحساسية مختلفة في ذلك الوقت، إضافة إلى رغبتي في الدخول في مسائل جدل لا يتسع لها صدر النص الشعري.
أردت أن أقول وأن أفصح عما يقف وراء القصيدة من شغف ووقائع وضغوط، وكانت بي رغبة لأن أنفعل، أغضب، أفكر بصوت عالٍ، وأتشفى أحياناً، وهي نوازع كانت ستكون ضارة بالشعر كحقل جمالي بعيد عن هذه الملوِّثات، واعتبرت المقالة نوعاً من الحماية للقصيدة، كمصدات تُزرع في وجه الرياح حول بستان الشعر الذي لا تتحمل فيه أزهار اللوز مثل هذا العصف الذهني، وما حدث فعلاً هو أن السرد تسرب إلى القصيدة، والشعر بمجازه وألاعيبه تسرب إلى المقالة، عبر حالة من التلويث المتبادَل، الذي لم أجد مناصاً من أن يكون هويتي في الكتابة التي علي أن أتعايش معها.
فضلاً عن الكتابات النثرية المجردة، اكتشفت أني كتبت عدداً لا بأس به من التأملات حول تجربتي الحسية في المكان وعلاقتي اليومية بكل التفاصيل الحياتية التي تسربت إلى قصيدتي، بما يمكن أن أسميه كتابةَ تعلُّمٍ، استجوبتُ من خلالها ذاكرتي في المكان وذاكرة المكان فيّ. تأملات مخلصة للمعرفة التي تمليها الحواس وتصقلها التجربة، كانت تتراكم بوعي أو بدونه على تخوم القصيدة، اقترحت أن تكون مدخلاً لسيرة قصائد، أو بالأحرى قصيدة، مكانية وذهنية، لا تدعي الثراء بقدر ما تدعي البوح بما يمكن تصديقه. منطلقاً من سؤال قديم يتجدد: ما الذي يجعل أحدنا شاعراً؟ أو، بمعنى آخر، كلنا أو معظمنا نكتب الخواطر في سن المراهقة، ثم نغادرها إلى ما يفرضه علينا العراك مع الحياة، فما الذي يجعل أحداً ما يمكث عندها، أو فيها، وتغدو وسواسَه ودودتَه المُلِحّة طوال بقية حياته. ما سيأتي بعض من الحكايات والتأملات والقراءات التي لا أتوقع أن تجيب عن هذا السؤال المراوغ، لكنها محاولة لجَرْد الذاكرة والنبش فيها عن كل ما غذَّى عنادها، وقاوم فيروسَها الفتاك المسمى (نسيانْ). كلها كُتبت قبل الألفية الثالثة أو على عتبتها، ما عدا مقالات الجزء الثالث التي كُتبت بعد العام 2011 ــ بما يشكله هذا الرقم من زلزال أطاح بالكثير من المفاهيم والأبنية الهشة داخل النص وحوله ــ ترصد ذاك التحول الكبير في تاريخ المكان وأسئلته ومزاجه، ما جعل القصيدة تلتقط أنفاسها، وتعيد قراءة نذورها السابقة، وتَخْلد إلى بَياتٍ مؤقت في انتظار غسق جديد».
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات