Atwasat

عن النخبة ونقد السُّلطة!

سالم الهنداوي الخميس 23 أكتوبر 2025, 05:08 مساء
سالم الهنداوي

الوعي المجتمعي لا تصنعه الحكومات، بل إنه في الكثير من الأنظمة الشمولية يعتبر التهديد الثقافي الأخطر في وجه السُّلطة التي تخشى من تناميه بين الجماعات ما لم يكن نابعاً أو تابعاً أو متناغماً مع أيديولوجية النظام، ولا يتقاطع معه في التوجُّه العام لإدارة الدولة المركزية وتطابق مستويات الأداء بلا خلل قد يهز ثقة السُّلطة في دوافع النخبة!

كانت هذه النخب الثقافية «الطليعية» التي تفكر نيابة عن الشعب، وهي سليلة أوجاعه في المسرح والفنون والآداب وعلوم الحياة، تدرك حدود مشروعها التنويري النهضوي داخل وعاء نظام ينغلق، فلا تخرج عنه حتى بمبادرات حسن النيّة ظنّاً منها أنها تفيد الدولة في انفتاحها على الآخر بالحوار والاختلاف انحيازاً للديمقراطية.. ومن هنا كانت النخبة «الناقدة» المعزولة سياسياً عن السُّلطة وعن صنع القرار في المجتمع، تعيش على الهامش بإرادة ثقافية مشلولة لا يمكنها التغيير ولا حتى التأثير الفكري في بنية السياسة العامة التي يضعها ساسة النظام والمقربون منه أصحاب المصلحة في السلطة، وهم ذاتهم يشكلون النخبة «الفاسدة» المستفيدة من الوضع السياسي ويملكون قرار تهميش النخبة المثقّفة «الوطنية» وحتى تخوينها إذا ما تمادت في نقد السلطة!

ساد تعريف النخبة في القاموس السياسي، متعدد المفاهيم، بأنها مجموعة صغيرة من الأفراد الذين يتمتعون بقدرٍ كبيرٍ من السُّلطة أو الثروة أو النفوذ أو المهارة في مجتمع غير متناسب، ما يجعلهم يمتلكون تأثيراً كبيراً مباشراً في النظام بخلاف بقية أفراد المجتمع.. ومن هنا تميزت النخبة بناء على عوامل مختلفة طبقية، بخصائص التمتع بالسلطة والنفوذ والانتفاع، حيث تمتلك القدرة على التأثير في قرارات الدولة وتشكيل الرأي العام عبر إدارتها وسيطرتها على وسائل الإعلام، وهي المزايا «الحاكمة» التي جعلتها تمتلك الثروة والمكانة المرموقة!

وتُعرّف النخبة أيضاً بناءً على مهارات فردية محددة، أو خبرات متخصِّصة في مجال معيّن، مثل النخبة الفكرية أو العلمية، ومنها ما يرتبط بشكل مباشر بالنشاط المجتمعي، مثل النخبة السياسية، والدينية، والاقتصادية، والثقافية.. ومن هنا كان دائماً يُنطر للنخبة على أنها شريحة «منتقاة» أو «مختارة» من أبناء المجتمع وتشكل طبقة تتسم بالتميُّز، حتى إن أفرادها في الكثير من المناسبات يميلون إلى التفاعل مع بعضهم البعض بشكل أكبر، من خلال العمل المشترك، سياسياً واقتصادياً، وحتى اجتماعياً بالمصاهرة لتعزيز تماسكهم الاجتماعي، وهذا النتاج الطبقي، غير الطبيعي، كان برز في مصر بعد سياسة «الانفتاح» التي انتهجها الرئيس الراحل أنور السادات لتقويض الثوابت المعيشية في المجتمع المصري التي أفرزتها مرحلة النظام الاشتراكي في عهد الزعيم الراحل عبدالناصر، وهو ذاته الانفتاح النخبوي الذي كان وراء ظهور طبقة «المرموقين» في ليبيا بعد ثورة «فبراير» وتحديداً خلال هذه السنوات الأخيرة من انتشار الفوضى وتفشي ظاهرة الفساد في الدولة والمجتمع.

مشكلة بعض المجتمعات العربية أنها تجهل مصادر القوة على التغيير، فترى السُّلطة بعيون النخبة «الحاكمة»، ولا تراها بعيون النخبة «الناقدة».. وقد ساعد نظام «فبراير» في ليبيا على توسيع الفجوة بين النخبة الناقدة والمجتمع، بالتضييق على المنابر الثقافية وجعلها حكراً لسياساتها وتحجيم المسار الفكري على مقتضياتها، بل وجعلت من وزارة «الثقافة» مجرد هيكل وزاري بلا مشروع، فغابت إرادات النخبة في عتمة الصورة، لتتراجع الكفاءة أمام المحاصصة القبلية والجهوية والنفعية، وكأن البلاد قد خُلقت من رحم «عشيرة» تقايض الحضارة بما تملك من بعير!

تتقوقع مجتمعات النخبة «الحاكمة» في ألا إرادة نحو المستقبل، وتعجز في مواجهة تحديات هذا المستقبل بالاعتماد على «المفرزة» القبلية غير المؤهلة ثقافياً لخوض سجالٍ فكري في قضية محورية تتعدّى فهم النظام «القبلي» في إدارة الأزمات الحضارية.. وغير بعيد ما آلت إليه ليبيا من ضياع فرص «الاستقرار» لتنمية مشروع المستقبل، جرّاء اعتماد نظامها على وجود «العنصر القبلي» المشبع ذهنياً بثقافة الغنيمة التي تحكم مفاصل البلاد وتتحكم في التعتيم على مبادرة المثقف الطليعي، دون أي اعتبار لرسم صورة مستقبل مثالية لمجتمع سوي يسوده حُكم القضاء العادل والعلاقات النزيهة بين الجماعات والأفراد، في الانتخابات وقيادة المناصب بما يجعل ميزان الدولة مستقيماً على قاعدة ثقافية وطنية واحدة تنظر إلى الأمام بالثقة المرجعية ولا تسقط حتى وإن نظرت إلى الوراء!

يُلاحظ «ميشيل فوكو» إن العِقاب يسبق الجريمة في علاقة تواطئية بين النخب والسُّلطة، وفي ظل «ثالوث مُدنّس» يجعل الحرية رقماً صعباً ونقطة حرجة في وجه المثقفين والكتّاب.. هذا الثالوث هو: «التجريم، التحريم، التأثيم».
حيث يشير التجريم إلى القوانين المتناقضة بنيوياً التي تنتظر النخب وتجرمها، أما التحريم فهو ما تمارسه السلطة الدينية من نفوذ، والتأثيم ما يتعلق بتوجه المجتمع ونظرته للنخب «المُنشقة».

وبرأي الكاتب الأردني «رعد تغوج» تأتي هذه الاستلابات للنخب العربية (التجريم، التحريم، التأثيم) وسط غياب التحكيم وأفول العقلانية التنويرية في الخطاب العربي الرسمي، مع اندياح موجة التسلط والتطرف والعنف المشروع الذي تحتكره السلطة الرسمية في الدول العربيّة.

في واقع الحال تعجز مفردات «الديمقراطية» في البلاد العربية عن صياغة بيانٍ واحد للحرية في مجتمع قبلي يعيش على ثقافة الغنيمة منذ تأسيس الدولة الذي تكوّنت، سياسياً وإدارياً، على مفهوم «المحاصصة» القبلية، لا «المخاصصة» الوطنية.. ولذلك تبدو الأطماع واضحة في المناداة الجهوية بأهمية العودة إلى النظام الفيدرالي باعتباره الحل الأمثل للقضاء على «المركزية»، في حين أن المركزية لم تكُن في هيمنة المكان «العاصمة» كما يزعمون، وإنما في هيمنة «الفكرة» التي صنعت مركزية المكان وعجز سادة التشريع عن تبديله بنظام «المحافظات» الذي كان سائداً إدارياً منذ الاستقلال واستمر واقعاً في النظام السابق.. فما المقصود إذن من هذا «العبث» السياسي سوى المزيد من الفوضى لتقسيم البلاد إلى دويلات، تنفيذاً لمخطّط دولي لم يعُد خافياً على أحد؟!



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»