Atwasat

درب الآلام إلى فلسطين الحرة

سالم العوكلي الثلاثاء 14 أكتوبر 2025, 02:11 مساء
سالم العوكلي

أكتب الآن صباح الجمعة الموافق 10 أكتوبر، والأخبار تترى حول استمرار الكيان الصهيوني في قصف مناطق في غزة رغم إعلان ترامب عن اتفاق وقف الحرب وإطلاق النار، 27 شهيداً منذ هذا الإعلان، وقصف منزل عائلة في حي الصبرة جنوب غزة و40 مفقوداً حتى هذه اللحظة، بينما في مدينة السلام بشرم الشيخ ما زالت الفرق الفنية تتدارس سبل تنفيذ الاتفاقية.

وواضح أن هذا الكيان يسعى لتنفيذ بنود الاتفاقية تحت النار كوسيلة ابتزاز دموية مستمرة، وواضح أن حرب الإبادة بالنسبة له لن تتوقف حتى آخر لحظة اعتماداً على ضغوط ترامب الساعي بقوة للحصول على جائزة نوبل للسلام قبل موعد إعلانها، ما جعله يضغط على كل الأطراف لتوقيع هذه الاتفاقية قبل يوم الجمعة، موعد الاقتراع من قبل لجنة نوبل على الفائز بها، وقد يشي ذلك بفائدة ما لهذه الجائزة التي تحولت في هذه الحالة إلى وسيلة ضغط إضافية على ترامب، حيث هو الوحيد القادر على الضغط على حكومة اليمين الإرهابية الصهيونية، غير أن ثمة مخاوف تخرج على السطح الآن وأنا أكتب صباح الجمعة، وهذه المخاوف يختصرها سؤال: ماذا لو لم يفز ترامب بالجائزة؟ وهل سيستمر ضغطه من أجل تنفيذ ما سمي مقترح ترامب للسلام في غزة.

ندرك أن بايدن كان يسعى لإنهاء حياته السياسية بمنجر يبقى في أرشيفه الفقير سياسياً، واستطاع في الأيام الأخيرة من ولايته أن يُثبِّت هدنة يتم خلالها تبادل الرهائن بين الكيان وحماس، ولكن بمجرد وصول ترامب إلى البيت الأبيض أوقَف هذا الاتفاق واستُؤنِفت الحرب بأكثر وحشية، وإشعاله للحرب من جديد يأتي في سياق تقويض كل ما أنجزه بايدن، ويرجع إلى مسألة شخصية تتعلق بترامب حيال أكثر شخص مكروه في حياته أزاحه العام 2020 من المكتب البيضوي، يشتمه بألفاظ شوارعية مقذعة في كل خطاب أو حوار أو مؤتمر صحفي.

لم يرد ترامب لبايدن أن يتمتع بهذه النهاية الرومانسية لحياته السياسية عبر إيقاف إطلاق النار في غزة، وأشعل الحرب من جديد من أجل أن يوقفها هو، وهذا الوسواس القهري لدى ترامب حيال ما فعله سابقوه ترتب عليه عشرات الآلاف من الشهداء الفلسطينيين، بمن فيهم آلاف من الأطفال الذين ماتوا جوعاً، أو بأمراض، أو تحت القصف، ومنذ وصول ترامب للبيت الأبيض في شهر فبراير كان بالإمكان إيقاف هذه المجزرة بكلمة واحدة منه، لكنه ظل يهدد غزة بجحيم لا مثيل له، ويضع المبررات للكيان الصهيوني كي يستمر في حرب الإبادة إلى أن اقترب موعد الإعلان عن جوائز نوبل.

في الحقيقة كان ترامب حائراً بين جائزتين، جائزة (الحرب) المتمثلة في تهجير سكان غزة، أو كما قال بالحرف Clean out، وتحويلها إلى ريفيرا في الشرق الأوسط، سيقضي فيها عطلاته، وتستثمر فيها شركاته العقارية، وحين اكتشف أن هذه الجائزة مستحيلة أمام شعب اختار أن يموت على أرضه أو يبقى عليها، لم تكن أمامه إلا جائزة (السلام)، المهم ألا يخرج من المجزرة دون جائزة. وحكايته مع هذه الجائزة شخصية أيضاً، وتأتي في سياق كراهيته العنصرية لأوباما الذي شكل فوزه بها عقدة تلاحق ترامب الأبيض الذي يرى أن أوباما نقيضه في كل شيء، في العمر وفي اللون وفي لباقته وفي توجهاته حيال تواضع أميركا وفتح قنوات تواصلها السلمية مع العالم.

لا أعرف ماذا سيحصل في هذه الأيام الكثيفة دبلوماسياً حيال حرب الإبادة في غزة والتي ستسبق نشر هذه المقالة بعد ثلاثة أيام، لكن مقترح بلير الذي استولى عليه ترامب، أو ما سمي الاتفاقية ببنودها العشرين حتى لو طبقت بحذافيرها، فسوف تعيد، في أفضل الأحوال، الوضع الفلسطيني إلى ما قبل طوفان 7 أكتوبر، وهو أيضاً وضع سيئ بكل المقاييس.

فغزة كانت محاصرة منذ عقدين شهدت فيها خمسة حروب، والمستوطنون المسلحون مطلوقة أيديهم في الضفة التي لا يتحدث عنها أحد في الصفقة، والأرض الفلسطينية تتقلص يومياً منذ 1948، والمعتقلات يتزايد مخطوفوها من الرهائن الفلسطينيين يومياً. فالكيان الصهيوني يتعامل مع الاعتقال كخطة لتوفير احتياطيه الاستراتيجي الضخم من المعتقلين، بسبب أو دون سبب، من أجل أن يوفر رصيدا للتفاوض والمقايضة، ووصفهم بالمعتقلين ليس دقيقاً، لأنهم في الواقع مختطفون من على أرضهم التي من المفترض أن لا تسري عليها القوانين الصهيونية، وينطبق عليهم وصف (مختطفين).

ما يجعلهم بالتالي رهائن في معتقلات هذا الكيان التي لا تقل بشاعة عن معتقلات النازية، والمقايضة في الواقع رهائن بدل رهائن، مع فارق أن الرهائن لدى الكيان الصهيوني محجوزون على أرضهم المحتلة، والرهائن لدى حماس ليسوا على أرضهم سواء ظلوا أو عادوا.

وحين تكون إحدى نقاط التبادل «إطلاق سراح النساء والأطفال المعتقلين في سجون إسرائيل» ندرك مدى وحشية هذا الكيان وخروجه عن كل القوانين والأعراف الدولية والأخلاق الإنسانية، فلا امرأة في فلسطين حملت السلاح، ولا أي منظومة أخلاقية في الكون تجيز اعتقال وسجن الأطفال القُصر، لكن هذه التنويعة من الرهائن ستخدمه إذا ما اضطر إلى المقايضة.

خبر عاجل الآن: «اللجنة قررت منح جائزة نوبل للسلام للفنزويلية ماريا كورينا». لم أسمع بهذا الاسم، لكن قد يكون ظهوره وراء استئناف حرب الإبادة على غزة حيث ترامب ونتنياهو لن تنقصهم ذريعة أو كذبة تجيز لهم ذلك بعد عودة الرهائن، لأن تجريد حماس من أسلحتها ستظل نقطة عالقة، والتي من خلالها هدد نتنياهو باستئناف الحرب في أي وقت.

إضافة إلى حلم ترامب بهذه الجائزة، لن ننسى ضغوط أصحاب الضمائر في الولايات المتحدة والعالم برمته الذين أحرجوا ساستهم المتواطئين مع الجريمة، أو المترددين أو المحايدين، إلى أن وصل هذا الضغط إلى البيت الأبيض وإلى ترامب الذي سيسجل التاريخ أنه يتحمل مسؤولية كل ما حدث من قتل وتدمير في غزة منذ دخوله البيت الأبيض، وإعطائه الضوء الأخضر للآلة الصهيونية كي تستأنف مجازرها، وصولاً إلى هذه الاتفاقية التي أعدها كوشنر وويتكوف وبلير وجيرت باسم ترامب الذي مارس عسفه على الطلاب المتظاهرين وابتز جامعاتهم، وعلى المشاهير الذين تضامنوا مع الحق الفلسطيني، خصوصاً في هوليوود، ودفعوا ثمن هذا التضامن مادياً ومعنوياً.

وفي هذا السياق، ولأن تركيزي على الظاهرة الترامبية المقلقة للعالم كله، سأختم بجزء مما كتبه الممثل روبرت دي نيرو عن ترامب إبان حملته الرئاسية الثانية، وهو يحاول أن يحذر الناخبين من خطورة هذا الرجل. يكتب دي نيرو: «لقد قضيت الكثير من الوقت في دراسة الرجال السيئين. لقد درست خصائصهم، وسلوكياتهم، وتفاهة قسوتهم المطلقة. ومع ذلك، هناك شيء مختلف بشأن دونالد ترامب. عندما أنظر إليه، لا أرى رجلاً سيئاً. حقاً أراه رجلاً شريراً.

على مر السنين، قابلت رجال عصابات هنا وهناك. هذا الرجل يحاول أن يكون واحداً منهم، لكنه لا يستطيع تحقيق ذلك. هناك شيء يسمى «شرف اللصوص». نعم، حتى المجرمون عادةً ما يكون لديهم إحساس بالصواب والخطأ. دونالد ترامب ليس لديه أي من ذلك. إنه مجرد شخص يتظاهر بالقوة دون أي أخلاق أو مبادئ. لا يملك أي إحساس بالصواب والخطأ. لا يهتم بأي شخص سوى نفسه. لا الأشخاص الذين كان من المفترض أن يقودهم ويحميهم، ولا الذين يعمل معهم، ولا حتى الذين يتبعونه بإخلاص أعمى، ولا حتى من يعتبرون أنفسهم «أصدقاءه». إنه يحتقرهم جميعًا.

نحن، سكان نيويورك، عرفناه على مدى السنوات التي سمم فيها الأجواء وملأ مدينتنا بآثار غروره. كنا نعرف منذ البداية أن هذا شخص لا يجب أن يُعتبر قائداً أبداً. لا تخطئوا الفهم: دونالد ترامب، الذي أُدين مرتين في محاكم العزل ووجهت إليه أربع لوائح اتهام، لا يزال أحمق، لكن لا يمكننا السماح للأميركيين بالتعامل معه على هذا الأساس فقط، فالشر يزدهر في ظل السخرية المستهينة، ولهذا السبب يجب أن نأخذ خطر دونالد ترامب على محمل الجد».

ورغم ذلك، كررت سابقاً أن هذا الرجل الهزلي الذي جاءت به الشعبوية على رأس أقوى دولة في العالم، هو الوحيد ــ للأسف ــ القادر على إيقاف هذه الحرب، وفي المقابل فإن الفاشي نتنياهو، في وسط محيطه الضاغط من التوراتيين، هو الوحيد القادر على استئنافها مرة أخرى وفق مزاج ترامب المتقلب، لكن ما يحدث في غزة بعد إعلان وقف إطلاق النار أسطورة، على الجلاد وداعمه أن يتوقفا عندها، ولو كان أحد ما أو مؤرخ حدثنا عن ملحمة صمود الشعب الغزاوي التي تابعناها لمدة عامين، بافتراض أنها حدثت في القرن التاسع عشر، لاعتبرناه يروي أسطورة وليس تاريخاً، لأن الأمر فاق الخيال وقدرات التاريخ على السرد.

مشاهد عودة سكان غزة (في درب الآلام صوب الحرية) إلى مواطنهم، ضاحكين رغم الدمار الكامل والمصير المجهول، تُوجِّهُ رسالة إلى هذا الكيان المصنوع والمصطنع، مفادها أن علاقة هؤلاء الناس روحية وبيولوجية بالأرض والتراب وليس بالهياكل الاسمنتية التي سيعيدون بناءها، وتختلف حتماً عن علاقة المجتمع المستورد أو العابرين السطحية بالأرض؛ الذين لا يرون منها سوى مستوطنات ناشزة تحجب الأرض، فوقها قبة حديدية تحجب السماء.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»