إذا نام «العرب» فليس بمقدورهم أن يصحوا باكراً، ذلك لأن الرزايا كانت عليهم ثقيلة منذ حروب العهد القديم، منذ داحس والغبراء إلى حروب «الردّة»، وما تلاها من حروب العصر الحديث وعهود الهوان.
لن نفترض مأساة كبيرة قد تحل بالعرب، ومأساة غزة أبلغ من كل مأساة مرّ بها العرب.. كانت مجازر إسرائيل في التاريخ تمتد من «دير ياسين» إلى «صبرا وشاتيلا» إلى «قانا» بين حروبٍ تعدّت حدود الموت إلى الإبادة، لتكون «غزّة» خاتمة الصراخ والوجع في وجه القوّة العنصرية الغاشمة، وليكون التاريخ الذي كتب مأساة فلسطين حاضراً في هشيم المكان ودمائه.
لن نفترض مأساة أخرى غير مأساة «أمة العرب» في صمتها، وهي تجمع صكوك الطاعة من قاتليها في المنام، فإذا ما صدقت الرؤيا فلن يهجرها الكابوس، وقد بكت في ليلها خوفاً على مجدها المزيّف، وغزّة تنتصر.
كان الفرق كبيراً بين الرجال في تاريخ أمة العرب، فثمّة من مات كبيراً في عينيّ الوطن، وثمّة من مات ذليلاً وقد لعنه الوطن.. والمأساة أن تكابر بموتك الذليل، وقد جرّدتك الخيانة من حياة ظننتها تدوم.
كانت غزّة «الصغيرة» أكبر من كل عواصم الذلّ العربية «الكبيرة»، وكل شهدائها أطهر من الذين ماتوا بأمر الحاكم والسلطان في الحروب الهوجاء من أجل السُّلطة والبقاء، فما بقي حكمٌ بعد أن كشفت غزّة عورات من حكموا، ومن سلبوا الروح والمال من أجل تيجان العهد وطاعة طغاة العصر!
هذه ليست ملامة أمام ما يحدث من مأساة العصر على أرض فلسطين «الضمير»، ولكنّها مرثية الزمن الحزين في الموتى العرب الذين سهروا من أجل «تل أبيب» في ليلة 7 أكتوبر ينفضون العهد في طريق سادتهم، ويركعون لأعلام مروّضيهم في عواصم التبديل، وكان صمتهم في تلك الليلة أشبه بصمت بنات الليل حين يقبضن الثمن!
عامان مرّا على مقاومة غزّة الصمود، والعواصم العربية صامدة على موقفها المتخاذل من قضية المصير العربية الأخيرة، في عالم يشهد على الجريمة الكاملة والمأساة الوجودية الإنسانية.. ولا تبرير لأحد في اتخاذ الموقف الإنساني قبل السياسي، ونحن نعرف موقف النظام العربي الرسمي من «حماس»، وكذلك سلطة منظمة التحرير في «رام الله» على الخلفية التاريخية، وموقفه من عملية «طوفان الأقصى» التي أشعلت المواجهة، لكن الحسابات السياسية يّفترض أن تكون انتهت بمواقفها مع أو ضد، وأن يقف الجميع بعدها ضد حرب الإبادة الجماعية في القطاع، فكان على المجتمع الدولي بإرادته السياسية وضغوطه الاقتصادية على الكيان أن يوقف الحرب فوراً في تسوية علنية لأزمة الرهائن، وأن يرحم أهل غزة من الجوع والتهجير والقتل والإبادة، قبل أن يترحّم عليهم في الإعلام.. لكن ذلك لم يحدث في ظل هيمنة أميركية سافرة على استمرار الحرب، ونكث عهود المبادرات الكسيحة.
لقد أصبحت الحرب على غزّة ليست من أجل القضاء على سلاح حماس، ولا من أجل تحرير الرهائن، وإنما لاحتلال كامل قطاع غزّة بتدمير البنية التحتية والمباني وأسواقه ومستشفياته، والتهجير والملاحقة والقتل الجماعي، حتى تخلو الأرض من كُل جمادٍ وإنسانٍ وحيوان. وهذه الجريمة مستمرة في ظل صمتٍ دولي داعم، وصمتٍ عربي متخاذل، بينما لا يرى العالم الجانب الإنساني من الأزمة سوى في مصير الرهائن اليهود!
غزّة لن تكون فقط الصفحة السوداء في التاريخ الإنساني، وإنما ستكون الجريرة القاسية على الإنسانية جمعاء جرّاء أطماع القوى المتوحّشة في عالم جديد قادم حتماً بلا سلام.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات