Atwasat

اقتباسات من ساعات العقاد (1-2)

محمد عقيلة العمامي الإثنين 22 سبتمبر 2025, 12:56 مساء
محمد عقيلة العمامي

«اقرأ.. تكتب!» هذه نصيحة سمعتها وسمعها معظم جيلي ممن عاصروا في بداياتهم الرواد من أدبائنا وكتابنا؛ حينها لم تكن هذه الصناديق السحرية العجيبة، التي ربطوها بالأقمار الصناعية، والتي أخذ حجمها يصغر حتى تساوت مع محفظة الجيب، قد ابتكرت، ولا التلفزيون وصل بيوتنا كافة!.

سمعت هذه النصيحة، في البداية من المرحوم الأستاذ أبوبكر الهوني عندما كنت طالبا في المرحلة الابتدائية في فصله بمدرسة الأمير المسائية، لم يكن هناك سبيل للقراءة سوى الكتب المدرسية والصحف والمجلات المصرية، أو كتب مكتبات: المعهد الثقافي المصري، والأميركي، والبريطاني، ثم أضافت نظارة المعارف بعض المكتبات وطُبق نظام الاستعارة!

ولماذا أعيد كتابة هذه المعلومة التي ذكرتها، بل وذكرها الكثيرون من جيلي، لأنني ببساطة ما زلت أحتفظ بمكتبة اخترت بعضا من كتبها ومنها ما لم أتصفحه مطلقا، بل والأدهى أنني صرت أداوم التقاط بعضها، ليس بالضرورة من أجل قراءتها، ولكن لأنني كنت أحتفظ ببعض من (جنيهاتي) الورقية بين طياتها! حتى أنني وجدت عملة ورقية ملكية فخمة، بصورة المرحوم الملك إدريس السنوسي رحمه الله!

كانت كتب الأديبين الكبيرين، الدكتور طه حسين وعباس العقاد، وكذلك من جيلهم من الشباب مثل أنيس منصور ويوسف السباعي وإحسان عبدالقدوس وصلاح السعدني، ومحمد عبدالحليم عبدالله، وغيرهم كثيرين تزخر بها مكتبتي في بنغازي.

فماذا أريد أن أقول؟
التقطت كتابا، أو بمعنى أكثر دقة، مجموعة كتب في كتاب! فمن عنوانه أحسست أنني سوف أفتح باب مكتبة كاملة! فماذا يتوقع المرء عندما يكون عنوان الكتاب (ساعات بين الكتب)؟ والذين قرأوا للأديب عباس محمود العقاد يعرفون كيف أنه سوف يأخذك إلى مجموعة كتب متنوعة المواضيع واللغات والثقافات!

كان موضوعه الأول عن العنوان الذي انتقاه للكتاب، أما الثاني فكان عن إعجاز القرآن، أما الثالث فكان عن كتاب «سادهانا» للحكيم الهندي تاجور، وهو الذي توقفت عنده لأنني وددت أن أعرف المزيد عنه، وأيضا عن الكتاب نفسه! لأنني أعتقد أن كثيرين مثلي يعرفون هذا الحكيم الهندي، ولكن معرفة لا تتعدى القشور:
أولا، وبحسب ما تقول بعض المصادر إن هذا الاسم (تاجور) خطاء إملائي وأن الصح هو (طاغور) والخطأ الثاني قول البعض إنه ممن يزدرون الدنيا، ويحرِّمون العمل، ويزهدون في الحياة. ولكنه لا يزدري الدنيا، بل يراها كلها جمالًا في جمال، ويدعو بإخلاص إلى العمل.

طاغور شاعر هندي مجدد ومؤلف أغانٍ ورسام وكاتب مسرحي ومفكر، وروائي! ولقد وظف العامية البنغالية، لتصل أفكاره لعامة متحدثيها، وحرر الشعر الهندي، من اعتماده على اللغة السنسكريتية الكلاسيكية، وكان أول كاتب غير أوروبي يحصل على جائزة «نوبل» للآداب العام 1913، وقد ارتبط اسمه بالكلمة، بالطبيعة، بالسفر، بالدفاع عن الحرية، بتعليم المرأة، بالتصدي لزواج القاصرات. وجادل في مفهوم الصوفية مع العالِم ألبرت أينشتاين.

(رابندرانات طاغور- 1861/1941) ولد يوم في مدينة (كالكوتا) في الهند لعائلة كبيرة رفيعة النسب معروفة في أوساط طبقة «البراهما» الدينية الكهنوتية. وهو شاعر، وفيلسوف، وكاتب هندي شهير، حاز على جائزة «نوبل» في الأدب العام 1913.

أما مفهوم (السادهانا) الروحية، باختصار شديد، هي ممارسة فعلية - في المعرفة - تتجاوز الذات في الديانات الهندية. وطاغور يركز على أهمية العمل كوسيلة لرفعة النفس وكمالها، وينتقد النظرة السلبية إلى الدنيا.

كما يؤكد أهمية الاندماج بالكون ووهب الذات له. وفوق ذلك هي وسيلة الإنسان لطلب الكمال الروحي وإدراك جمال النفس والكون؛ ويدعو، بتركيز شديد، إلى عدم الخلط بين عوارض الحياة ومتعها القريبة، وبين حقائقها الثابتة والجواهر الخالدة، التي تمثل الحياة للحياة، حتى أن بعض المصادر اسمته طاغور.. شاعر الحُبّ والإنسانية. أصدر طاغور روايته الأولى وهو في عمر الـ16 إلى جانب ديوانه الشعري الأول بعنوان «أغاني المساء».

سنة 1877 سافر طاغور إلى بريطانيا لدراسة القانون، ولكنه عاد إلى وطنه من دون أن يتحصل على شهادته، إلا أنه عاد منفتحا على مختلف التيارات والأفكار الغربية، وكثير من التجارب التي مكنته فيما بعد من إنشاء جامعة ونقل تراث بلده إلى العالم. تنطلق أفكار طاغور، في الغالب، من تعاليم (الأوبانيشاد) وهي جزء من فكر الكتابات الأساسية بالديانة الهندوسية، التي تنظر بعمق إلى علاقة الإنسان بالله، وله في هذا المجال مجموعة محاضرات تحت عنوان «دين الإنسان» وضح فيها أفكاره حول بناء علاقة أوثق مع الله، لخصها في ثلاث محاور: الكتب المقدسة والمنطق والتجربة الشخصية، و تمحورت نظرته إلى العالم، بإيجاز خلاصته: «إن الكون الذي نعيش فيه هو جملة ما يشعر به الإنسان وما يعرفه وما يتصوره وما يفهمه بعقله، وكل شيء يُكون المعرفة لديه حالياً أو في وقت آخر».

كان طاغور غزير الإنتاج فكتب 300 كتاب، ورسم 3 آلاف لوحة فنية، كما كتب أكثر من ألفي أغنية ولحنها!، ولاقت معظمها نجاحا شعبيا كبيرا وسط مختلف طبقات المجتمع البنغالي.

وتعددت أسفاره ورحلاته إلى أوروبا والأميركتين، وغالبية الدول الآسيوية، كما زار مصر والعراق وأقام علاقات كبيرة بين مختلف شخصيات العالم لانخراطه في ما كان يحدث حوله ونضاله من أجل الحرية. وتعرف طاغور على (أينشتاين) في إحدى رحلاته، وتبادلا المراسلات التي كان مفادها النظرة الصوفية للكون ومناقشة عدد من الفكر الإنساني. وقد ساعدته هذه الرحلات على اكتشاف كثير من الحضارات والثقافات، وهي ما ساعدته في نفسه كرسام، عندما كان في الستينيات من عمره، ويقدم أكثر من 3 آلاف لوحة فنية، عرض بعضها في معارض عالمية.

أما مؤلفاته من روايات وأشعار وأعمال مسرحية، وسينمائية فهي تدور حول المعاني الإنسانية السامية، إذ تتمحور حول محبة الإنسانية وعدم التمسك بالحب الفردي، ونبذ التعصب السائد بالهند بين مختلف الطوائف والديانات، ويعود النشيد الوطني للهند وبنغلادش إليه تأليفا وتلحينا.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»