Atwasat

بريطانيا: أزمة إيواء المهاجرين

جمعة بوكليب الأربعاء 27 أغسطس 2025, 12:44 مساء
جمعة بوكليب

المهاجرون‭ ‬في‭ ‬بريطانيا‭ ‬نوعان‭: ‬قانونيون‭ ‬وغير‭ ‬قانونيين‭. ‬الأولون‭ ‬ليسوا‭ ‬المشكلة‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬عدد‭ ‬الواصلين‭ ‬منهم،‭ ‬وفق‭ ‬الإحصاءات‭ ‬الرسمية‭ ‬الأخيرة،‭ ‬تجاوز‭ ‬المليون‭. ‬الآخرون،‭ ‬غير‭ ‬القانونيين،‭ ‬هم‭ ‬الجحيم‭ ‬للحكومات‭ ‬البريطانية‭ ‬منذ‭ ‬التوقيع‭ ‬الرسمي‭ ‬على‭ ‬اتفاق‭ (‬بريكست‭) ‬في‭ ‬العام‭ ‬2020‭. ‬الإحصاءات‭ ‬الرسمية‭ ‬تؤكد‭ ‬وصول‭ ‬110‭ ‬آلاف‭ ‬مهاجر‭ ‬غير‭ ‬قانوني‭ ‬عبر‭ ‬القنال‭ ‬قادمين‭ ‬من‭ ‬فرنسا،‭ ‬منذ‭ ‬حلول‭ ‬السير‭ ‬كير‭ ‬ستارمر‭ ‬في‭ ‬10‭ ‬داوننج‭ ‬ستريت‭ ‬في‭ ‬شهر‭ ‬يوليو‭ ‬2024‭.‬

قبل‭ (‬بريكست‭) ‬كانت‭ ‬بريطانيا‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬المشمولة‭ ‬باتفاق‭ ‬دبلن،‭ ‬والقاضي‭ ‬بإعادة‭ ‬المهاجرين‭ ‬إلى‭ ‬البلد‭ ‬الأول‭ ‬الذي‭ ‬وصلوا‭ ‬إليه‭ ‬لدى‭ ‬وصولهم‭ ‬إلى‭ ‬بلد‭ ‬آخر‭. ‬أي‭ ‬أن‭ ‬المهاجر‭ ‬الذي‭ ‬يصل‭ ‬إيطاليا‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬لا‭ ‬يحق‭ ‬له‭ ‬المغادرة‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭ ‬عضو‭ ‬في‭ ‬الاتحاد‭. ‬وبذلك‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬بريطانيا‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬أزمة‭.‬

خروج‭ ‬بريطانيا‭ ‬رسمياً‭ ‬من‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي،‭ ‬شمل‭ ‬خروجها‭ ‬من‭ ‬الاتفاق‭ ‬المذكور‭ ‬كذلك‭. ‬وبالتالي،‭ ‬فإن‭ ‬المهاجرين‭ ‬غير‭ ‬القانونيين‭ ‬الذين‭ ‬يعبرون‭ ‬القنال‭ ‬الإنجليزي‭ ‬على‭ ‬قوارب‭ ‬مطاطية‭ ‬قادمين‭ ‬من‭ ‬فرنسا‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬إعادتهم‭ ‬إلي‭ ‬البلد‭ ‬القادمين‭ ‬منه‭.‬

قادة‭ ‬حملة‭ (‬بريكست‭) ‬رفعوا‭ ‬شعار‭ ‬استعادة‭ ‬بريطانيا‭ ‬سيطرتها‭ ‬على‭ ‬حدودها‭.‬

وللتوضيح،‭ ‬فإن‭ ‬قانون‭ ‬حرية‭ ‬التنقل‭ ‬لمواطني‭ ‬الدول‭ ‬الأعضاء‭ ‬في‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬جعل‭ ‬من‭ ‬حق‭ ‬400‭ ‬مليون‭ ‬مواطن‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬الاتحاد‭ ‬دخول‭ ‬بريطانيا‭ ‬والإقامة‭ ‬والعمل‭ ‬والتملك‭ ‬والتمتع‭ ‬بكافة‭ ‬حقوق‭ ‬المواطن‭ ‬البريطاني‭. ‬والأمر‭ ‬نفسه‭ ‬من‭ ‬الجهة‭ ‬الأخرى،‭ ‬يتيح‭ ‬للمواطنين‭ ‬البريطانيين‭ ‬حرية‭ ‬التنقل‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬الأعضاء‭ ‬والإقامة‭ ‬والعمل‭ ‬والتملك‭ ‬وكل‭ ‬الحقوق‭ ‬المكفولة‭ ‬قانوناً‭ ‬لمواطني‭ ‬تلك‭ ‬البلدان‭.‬

قادة‭ ‬اليمين‭ ‬البريطاني‭ ‬في‭ ‬حزب‭ ‬المحافظين‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬الخصوص‭ ‬وحزب‭ ‬البريكست‭ ‬بقيادة‭ ‬المتطرف‭ ‬اليميني‭ ‬نايجل‭ ‬فاراج‭ ‬استغلوا‭ ‬سياسياً‭ ‬الموقف،‭ ‬بزعم‭ ‬أن‭ ‬المهاجرين‭ ‬الأوروبيين‭ ‬وخاصة‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬شرق‭ ‬أوروبا‭ ‬حرموا‭ ‬الشباب‭ ‬البريطاني‭ ‬من‭ ‬فرص‭ ‬العمل‭. ‬وطالبوا‭ ‬بضرورة‭ ‬استعادة‭ ‬بريطانيا‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬حدودها‭.‬

في‭ ‬العام‭ ‬2016،‭ ‬فازوا‭ ‬بالاستفتاء‭ ‬الشعبي‭ ‬للخروج‭ ‬أو‭ ‬البقاء‭ ‬في‭ ‬الاتحاد،‭ ‬ووقعوا‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬2020‭ ‬على‭ ‬وثيقة‭ ‬الخروج‭ ‬رسمياً،‭ ‬وتحقق‭ ‬لهم‭ ‬ما‭ ‬أرادوا‭ ‬من‭ ‬سيطرة‭ ‬على‭ ‬الحدود‭.‬

إلا‭ ‬أن‭ ‬الرياح‭ ‬انقلبت‭ ‬وسارت‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭ ‬معاكس‭ ‬لما‭ ‬يشتهون‭. ‬مواطنو‭ ‬دول‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬توقفوا‭ ‬عن‭ ‬المجيء‭ ‬للإقامة‭ ‬والعمل‭ ‬في‭ ‬بريطانيا،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬نسبة‭ ‬كبيرة‭ ‬ممن‭ ‬كانوا‭ ‬متواجدين‭ ‬بها‭ ‬غادروها‭. ‬لكن‭ ‬قوارب‭ ‬المهاجرين‭ ‬غير‭ ‬القانونيين‭ ‬بدأت‭ ‬التدفق‭ ‬على‭ ‬الشواطئ‭ ‬البريطانية‭ ‬قادمة‭ ‬من‭ ‬الضفة‭ ‬الفرنسية‭ ‬المقابلة‭.‬

الحكومة‭ ‬الفرنسية‭ ‬بسبب‭ ‬غضبها‭ ‬من‭ ‬خروج‭ ‬بريطانيا‭ ‬من‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬غضت‭ ‬الطرف‭ ‬عن‭ ‬تلك‭ ‬القوارب‭ ‬عمداً،‭ ‬على‭ ‬أمل‭ ‬خلق‭ ‬مشاكل‭ ‬لحكومة‭ ‬المحافظين‭ ‬آنذاك‭ ‬بقيادة‭ ‬بوريس‭ ‬جونسون‭ ‬أولاً،‭ ‬وثانياً‭ ‬للتخلص‭ ‬من‭ ‬المهاجرين‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬يتكاثرون‭ ‬بها‭ ‬وينامون‭ ‬في‭ ‬الغابات‭ ‬والشوارع‭ ‬في‭ ‬مدن‭ ‬مثل‭ ‬كاليه‭ ‬وغيرها‭ ‬الواقعة‭ ‬القريبة‭ ‬من‭ ‬القنال‭. ‬ولم‭ ‬تجد‭ ‬الحكومة‭ ‬البريطانية‭ ‬طريقاً‭ ‬يساعدها‭ ‬على‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬الأزمة‭.‬

فهي‭ ‬وفق‭ ‬الاتفاقيات‭ ‬الموقعة،‭ ‬ومن‭ ‬ضمنها‭ ‬اتفاقية‭ ‬حقوق‭ ‬الانسان‭ ‬الأوروبية،‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬إعادة‭ ‬المهاجرين‭ ‬إلى‭ ‬فرنسا،‭ ‬وملزمة‭ ‬قانونيًا‭ ‬بقبولهم‭ ‬وتوفير‭ ‬الإقامة‭ ‬والإعاشة‭ ‬لهم‭ ‬إلى‭ ‬حين‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬طلبات‭ ‬لجوئهم‭ ‬بالموافقة‭ ‬أو‭ ‬بالرفض‭.‬

وحين‭ ‬ازدادت‭ ‬الأعداد،‭ ‬وضاقت‭ ‬مقرّات‭ ‬الإقامة‭ ‬المخصصة‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬البلديات‭ ‬في‭ ‬لندن‭ ‬وخارجها،‭ ‬لجأت‭ ‬حكومة‭ ‬المحافظين‭ ‬إلى‭ ‬إيواء‭ ‬المهاجرين‭ ‬في‭ ‬فنادق‭. ‬تفاقم‭ ‬الأعداد‭ ‬أدّى‭ ‬إلى‭ ‬تصاعد‭ ‬ميزانية‭ ‬الإيواء‭ ‬حتى‭ ‬بلغت‭ ‬8‭ ‬مليارات‭ ‬جنيه‭ ‬استرليني‭ ‬تقريباً‭.‬

إيواء‭ ‬المهاجرين‭ ‬غير‭ ‬القانونيين‭ ‬في‭ ‬فنادق‭ ‬ترتب‭ ‬عليه‭ ‬مشاكل‭. ‬آخرها‭ ‬كان‭ ‬تعرّض‭ ‬فتاة‭ ‬قاصر‭ ‬إلى‭ ‬التحرش‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬مهاجر‭ ‬غير‭ ‬قانوني‭ ‬يقيم‭ ‬في‭ ‬فندق‭ ‬قريب‭. ‬المهاجر‭ ‬نفى‭ ‬التهمة‭ ‬لكنه‭ ‬أودع‭ ‬السجن‭. ‬تلك‭ ‬الحادثة‭ ‬تحديداً‭ ‬كانت‭ ‬الشرارة‭ ‬التي‭ ‬تسببت‭ ‬في‭ ‬هيجان‭ ‬شعبي‭ ‬واحتجاجات‭ ‬وشغب‭ ‬في‭ ‬عدة‭ ‬مدن‭ ‬ومناطق‭. ‬واستغل‭ ‬اليمين‭ ‬المتطرف‭ ‬الحادثة‭ ‬وزاد‭ ‬النار‭ ‬تحريكاً‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬وسائط‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭. ‬واضطرت‭ ‬الحكومة‭ ‬إلى‭ ‬إرسال‭ ‬قوات‭ ‬الشرطة‭ ‬لحماية‭ ‬المهاجرين‭. ‬المجلس‭ ‬البلدي‭ ‬الذي‭ ‬حدثت‭ ‬به‭ ‬الواقعة‭ ‬رفع‭ ‬دعوى‭ ‬قضائية‭ ‬ضد‭ ‬وجود‭ ‬المهاجرين‭ ‬بالفندق‭ ‬بحجة‭ ‬أن‭ ‬الترخيص‭ ‬للفندق‭ ‬لا‭ ‬يشمل‭ ‬إقامة‭ ‬مهاجرين‭ ‬غير‭ ‬قانونيين‭. ‬وفازوا‭ ‬بالدعوى‭ ‬وطالب‭ ‬القضاة‭ ‬الحكومة‭ ‬بترحيل‭ ‬المهاجرين‭ ‬من‭ ‬الفندق‭ ‬في‭ ‬مدة‭ ‬لا‭ ‬تتجاوز‭ ‬شهراً‭. ‬نجاح‭ ‬ذلك‭ ‬المجلس‭ ‬البلدي‭ ‬شجع‭ ‬بقية‭ ‬المجالس‭ ‬البلدية‭ ‬الأخرى‭ ‬على‭ ‬رفع‭ ‬دعاوى‭ ‬قضائية،‭ ‬ومن‭ ‬المحتمل‭ ‬فوزهم‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬تنجح‭ ‬الحكومة‭ ‬في‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬حكم‭ ‬استئناف‭ ‬يقضي‭ ‬بوقف‭ ‬الحكم‭ ‬السابق‭.‬

وصول‭ ‬رئيس‭ ‬الحكومة‭ ‬السابق‭ ‬ريشي‭ ‬سوناك‭ ‬المحافظ‭ ‬إلى‭ ‬الحكم‭ ‬عمل‭ ‬على‭ ‬تهدئة‭ ‬التوتر‭ ‬وسعى‭ ‬إلى‭ ‬توقيع‭ ‬اتفاق‭ ‬مع‭ ‬فرنسا‭ ‬تقوم‭ ‬بريطانيا‭ ‬بموجبه‭ ‬بدفع‭ ‬ملايين‭ ‬الجنيهات‭ ‬الاسترلينية‭ ‬إلى‭ ‬حكومة‭ ‬باريس‭ ‬بهدف‭ ‬تجنيد‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬حرس‭ ‬السواحل،‭ ‬وشراء‭ ‬أجهزة‭ ‬إلكترونية‭ ‬للحراسة،‭ ‬وكذلك‭ ‬مسيّرات‭ ‬مهمتها‭ ‬مراقبة‭ ‬السواحل‭. ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬الحل‭ ‬لم‭ ‬يؤدِ‭ ‬إلى‭ ‬النتيجة‭ ‬المرجوة،‭ ‬لأن‭ (‬الخانب‭ ‬يغلب‭ ‬العساس‭) ‬إذ‭ ‬برع‭ ‬المهربون‭ ‬وتفننوا‭ ‬في‭ ‬اختراع‭ ‬طرق‭ ‬قادت‭ ‬إلى‭ ‬تفاقم‭ ‬الاعداد‭.‬

رئيس‭ ‬الحكومة‭ ‬الحالي‭ ‬السير‭ ‬كير‭ ‬ستارمر‭ ‬وعد‭ ‬بالقضاء‭ ‬على‭ ‬المهربين‭ ‬خلال‭ ‬الحملة‭ ‬الانتخابية‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الوعد‭ ‬لم‭ ‬يجد‭ ‬طريقه‭ ‬إلى‭ ‬التحقق،‭ ‬وبدلاً‭ ‬من‭ ‬تنفيذ‭ ‬الحكومة‭ ‬لبرنامجها‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الهادف‭ ‬إلى‭ ‬رفع‭ ‬نسبة‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬وجدت‭ ‬نفسها‭ ‬غارقة‭ ‬في‭ ‬مستنقع‭ ‬الهجرة‭ ‬والمهاجرين‭ ‬الذي‭ ‬ورثته‭ ‬من‭ ‬الحكومات‭ ‬المحافظة‭ ‬السابقة‭.‬

هناك‭ ‬احتمال‭ ‬بنجاح‭ ‬أو‭ ‬فشل‭ ‬الحكومة‭ ‬في‭ ‬الطعن‭ ‬في‭ ‬الحكم‭ ‬القضائي‭ ‬الصادر‭ ‬بترحيل‭ ‬المهاجرين‭ ‬من‭ ‬الفنادق‭. ‬والأرجح‭ ‬أنها‭ ‬ستخسر‭ ‬الطعن‭. ‬فمن‭ ‬أين‭ ‬للحكومة‭ ‬بمقرات‭ ‬تكفي‭ ‬لإيواء‭ ‬آلاف‭ ‬المهاجرين؟



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»