المهاجرون في بريطانيا نوعان: قانونيون وغير قانونيين. الأولون ليسوا المشكلة رغم أن عدد الواصلين منهم، وفق الإحصاءات الرسمية الأخيرة، تجاوز المليون. الآخرون، غير القانونيين، هم الجحيم للحكومات البريطانية منذ التوقيع الرسمي على اتفاق (بريكست) في العام 2020. الإحصاءات الرسمية تؤكد وصول 110 آلاف مهاجر غير قانوني عبر القنال قادمين من فرنسا، منذ حلول السير كير ستارمر في 10 داوننج ستريت في شهر يوليو 2024.
قبل (بريكست) كانت بريطانيا من دول الاتحاد الأوروبي المشمولة باتفاق دبلن، والقاضي بإعادة المهاجرين إلى البلد الأول الذي وصلوا إليه لدى وصولهم إلى بلد آخر. أي أن المهاجر الذي يصل إيطاليا على سبيل المثال لا يحق له المغادرة إلى آخر عضو في الاتحاد. وبذلك لم تكن بريطانيا تعاني من أزمة.
خروج بريطانيا رسمياً من الاتحاد الأوروبي، شمل خروجها من الاتفاق المذكور كذلك. وبالتالي، فإن المهاجرين غير القانونيين الذين يعبرون القنال الإنجليزي على قوارب مطاطية قادمين من فرنسا لا يمكن إعادتهم إلي البلد القادمين منه.
قادة حملة (بريكست) رفعوا شعار استعادة بريطانيا سيطرتها على حدودها.
وللتوضيح، فإن قانون حرية التنقل لمواطني الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي جعل من حق 400 مليون مواطن في دول الاتحاد دخول بريطانيا والإقامة والعمل والتملك والتمتع بكافة حقوق المواطن البريطاني. والأمر نفسه من الجهة الأخرى، يتيح للمواطنين البريطانيين حرية التنقل في الدول الأعضاء والإقامة والعمل والتملك وكل الحقوق المكفولة قانوناً لمواطني تلك البلدان.
قادة اليمين البريطاني في حزب المحافظين على وجه الخصوص وحزب البريكست بقيادة المتطرف اليميني نايجل فاراج استغلوا سياسياً الموقف، بزعم أن المهاجرين الأوروبيين وخاصة من دول شرق أوروبا حرموا الشباب البريطاني من فرص العمل. وطالبوا بضرورة استعادة بريطانيا السيطرة على حدودها.
في العام 2016، فازوا بالاستفتاء الشعبي للخروج أو البقاء في الاتحاد، ووقعوا في العام 2020 على وثيقة الخروج رسمياً، وتحقق لهم ما أرادوا من سيطرة على الحدود.
إلا أن الرياح انقلبت وسارت في اتجاه معاكس لما يشتهون. مواطنو دول الاتحاد الأوروبي توقفوا عن المجيء للإقامة والعمل في بريطانيا، بل إن نسبة كبيرة ممن كانوا متواجدين بها غادروها. لكن قوارب المهاجرين غير القانونيين بدأت التدفق على الشواطئ البريطانية قادمة من الضفة الفرنسية المقابلة.
الحكومة الفرنسية بسبب غضبها من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي غضت الطرف عن تلك القوارب عمداً، على أمل خلق مشاكل لحكومة المحافظين آنذاك بقيادة بوريس جونسون أولاً، وثانياً للتخلص من المهاجرين الذين كانوا يتكاثرون بها وينامون في الغابات والشوارع في مدن مثل كاليه وغيرها الواقعة القريبة من القنال. ولم تجد الحكومة البريطانية طريقاً يساعدها على الخروج من الأزمة.
فهي وفق الاتفاقيات الموقعة، ومن ضمنها اتفاقية حقوق الانسان الأوروبية، لا تستطيع إعادة المهاجرين إلى فرنسا، وملزمة قانونيًا بقبولهم وتوفير الإقامة والإعاشة لهم إلى حين النظر في طلبات لجوئهم بالموافقة أو بالرفض.
وحين ازدادت الأعداد، وضاقت مقرّات الإقامة المخصصة في مختلف البلديات في لندن وخارجها، لجأت حكومة المحافظين إلى إيواء المهاجرين في فنادق. تفاقم الأعداد أدّى إلى تصاعد ميزانية الإيواء حتى بلغت 8 مليارات جنيه استرليني تقريباً.
إيواء المهاجرين غير القانونيين في فنادق ترتب عليه مشاكل. آخرها كان تعرّض فتاة قاصر إلى التحرش من جانب مهاجر غير قانوني يقيم في فندق قريب. المهاجر نفى التهمة لكنه أودع السجن. تلك الحادثة تحديداً كانت الشرارة التي تسببت في هيجان شعبي واحتجاجات وشغب في عدة مدن ومناطق. واستغل اليمين المتطرف الحادثة وزاد النار تحريكاً من خلال وسائط التواصل الاجتماعي. واضطرت الحكومة إلى إرسال قوات الشرطة لحماية المهاجرين. المجلس البلدي الذي حدثت به الواقعة رفع دعوى قضائية ضد وجود المهاجرين بالفندق بحجة أن الترخيص للفندق لا يشمل إقامة مهاجرين غير قانونيين. وفازوا بالدعوى وطالب القضاة الحكومة بترحيل المهاجرين من الفندق في مدة لا تتجاوز شهراً. نجاح ذلك المجلس البلدي شجع بقية المجالس البلدية الأخرى على رفع دعاوى قضائية، ومن المحتمل فوزهم ما لم تنجح الحكومة في الحصول على حكم استئناف يقضي بوقف الحكم السابق.
وصول رئيس الحكومة السابق ريشي سوناك المحافظ إلى الحكم عمل على تهدئة التوتر وسعى إلى توقيع اتفاق مع فرنسا تقوم بريطانيا بموجبه بدفع ملايين الجنيهات الاسترلينية إلى حكومة باريس بهدف تجنيد المزيد من حرس السواحل، وشراء أجهزة إلكترونية للحراسة، وكذلك مسيّرات مهمتها مراقبة السواحل. إلا أن ذلك الحل لم يؤدِ إلى النتيجة المرجوة، لأن (الخانب يغلب العساس) إذ برع المهربون وتفننوا في اختراع طرق قادت إلى تفاقم الاعداد.
رئيس الحكومة الحالي السير كير ستارمر وعد بالقضاء على المهربين خلال الحملة الانتخابية إلا أن الوعد لم يجد طريقه إلى التحقق، وبدلاً من تنفيذ الحكومة لبرنامجها الاقتصادي الهادف إلى رفع نسبة النمو الاقتصادي، وجدت نفسها غارقة في مستنقع الهجرة والمهاجرين الذي ورثته من الحكومات المحافظة السابقة.
هناك احتمال بنجاح أو فشل الحكومة في الطعن في الحكم القضائي الصادر بترحيل المهاجرين من الفنادق. والأرجح أنها ستخسر الطعن. فمن أين للحكومة بمقرات تكفي لإيواء آلاف المهاجرين؟
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات