مزعج للغاية التزام الكاتب بكتابة مقال أو أكثر أسبوعيا! الأمر ليس هينا مثلما قد يتبادر لك، يا أخي القارئ! كثيرا ما يعجز الكاتب عن إيجاد فكرة لموضوع، وسبيله الوحيد لتحقيق واجبه هو القراءة! فمن خلالها فقط يجد، بالضرورة، فكرة لموضوع ما.
ولكن أحيانا يعجز عقلي عن مساعدتي في تحقيق ذلك، وإن كان توفيقي، في الغالب، جيدا في اقتناص فكرة لموضوع ما. هذا اليوم لم أجد فكرة لكتابة موضوعي، ولكنني وجدت حكايتين ظريفتين، فقلت: ولماذا لا أكتب تلخيصا لها؟! فإن لم يكن الأمر مفيدا، سيكون بالتأكيد مسليا. فإليكم حكايتان ظريفتان، واحدة عن الدنيا والثانية عن الآخرة، لعلكم تجدون بهما ما قد يفيدكم، أو الأقل يسليكم.
تقول الحكاية الأولى: «جيمس لافر» كاتب ومؤرخ شغل منصب أمين متحف «فيكتوريا وألبرت» من عام 1899 إلى 1958، وهو خبير في ملابس النساء، وله كتاب عنوانه «التذوق والموضة»، ونظرية أسماها «منطقة الرغبة المتنقلة». والفكرة مثلما بيّنها المقال الذي كُتب عن هذا الكتاب خلاصتها أن «المرأة ككل شيء مرغوب فيه، ولكن ليست للرجل القدرة على أن يستوعبها كلها مرة واحدة!».
على أساس هذه الفكرة، عمل «لافر» على أن تجذب «الموضة» انتباه الرجل إلى جزء واحد ومحدد من ثراء جسدها الباذخ، ولقد أبرزه بكل وسيلة ممكنة، بشد الثياب فوقه، بالمبالغة في إظهار حجمه، بالألوان التي تتناسب مع بشرتها! ويرى أنه بعد فترة تصبح المنطقة التي أبرزها مألوفة، ثم مملة، فيتحول نحو جزء آخر من كنوزها، وهكذا يقصر الفستان ويطول، وأحيانا أخرى يبرز الصدر، أو الظهر، أو الذراعين، وها نحن نقترب من نحو قرن على رحيله ولا تزال نظريته من أسس موضة الأنثى.
أما الحكاية الثانية، فبطلها «مارتن مارتي»، الذي يعد عقل أمريكا -الديني- الأكثر نفوذًا، والذي رحل عنهم أخيرا عن عمر بلغ 97 عامًا، تاركا عالما يتقلب الدين فيه ما بين كونه قوة موجهة ومحركة للصراعات أو فضاءً رحبًا للتأمل الفكري.
كان «مارتي» الرقم الصعب في معادلة فهم الدين ودوره في الحياة الأمريكية، فهو الأستاذ الفخري بجامعة شيكاغو، ورجل الدين «اللوثري»، والمفكر الذي لم يقتصر تأثيره أكاديميا، بل امتد إلى الحراك الاجتماعي والمشهد السياسي.
ورحل الأكاديمي البارز عن أمريكا يوم الثلاثاء 25 فبراير 2025، عن عمر يناهز 97 عمًا. ولقد وصفته مجلة «تايم» يومًا بأنه «أكثر المفسرين للدين تأثيرًا في أمريكا»، بينما رأى فيه المؤرخ «بنجامين رولسكي» المثقف العام الأبرز في الثمانينيات. أما الباحث «غرانت واكر» فلم يتردد في وضعه على «راشمور التاريخ الديني الأمريكي» إلى جانب عمالقة، مثل «مارتن لوثر كينغ جونيور» و«بيلي غراهام» و«جوناثان إدوارد».
لم يكن «مارتي» رجل كتب ومكتبات، بل كان رجلا ميدانيا، سار في صفوف مسيرة الحقوق إلى جانب د. كينغ، وشارك بصفته مراقبا بروتستانتيًا في مجمع الفاتيكان الثاني، وقدم المشورة لقادة سياسيين حول القضايا الدينية والاجتماعية. وكان من القلائل الذين جمعوا بين التحليل الفكري والتأثير العملي المباشر في تشكيل النقاش العام حول الدين والسياسة والثقافة.
وُلِد مارتي في 5 / 2 / 1928 في بلدة «ويست بوينت» الصغيرة بولاية «نبراسكا»، ودرس في معاهد لاهوتية (لوثرية) قبل أن يحصل على الدكتوراه من جامعة شيكاغو عام 1956. لم تكن أطروحته بحثا أكاديميا جافا، بل كانت إشعالًا لفتيل فكر نقدي جريء، إذ حملت عنوان «استخدامات الكفر: الصور المتغيرة للمعارضة الفكرية للكنائس الأمريكية».
وعام 1958، أسس «مارتي» كنيسة «الروح القدس اللوثرية» في إحدى ضواحي شيكاغو، وسرعان ما أصبحت أسرع الكنائس نموًا في البلاد. وفي عام 1962، اختارته مجلة «لايف» ضمن قائمة «أهم مائة شاب وشابة في الولايات المتحدة»، واصفة إياه بـ«ناقد لاذع لحياة الكنائس في الضواحي الأمريكية».
هل الدين أفيون أم ضمير؟
لا يمكن فهم «مارتي» دون فهم مدى رغبته في تحطيم الكليشيهات الدينية والاجتماعية. لم يكن معاديًا للدين، لكنه كان يدرك تمامًا أن الدين يُستخدم كسلاح أيديولوجي، سواء من قِبل القوى المحافظة لتثبيت الوضع القائم، أو من قِبل الحركات التقدمية لدفع التغيير الاجتماعي. ربما لهذا كان صوته دائمًا حاسمًا في تفكيك الخطابات الدينية المتطرفة، سواء كانت إنجيلية متشددة أو علمانية متعصبة.
وفي عالم يتزايد فيه الاستقطاب بين الدين والسياسة، كان «مارتي» نموذجًا نادرًا للمثقف الذي يفكر خارج القوالب الجاهزة. أدرك أن الدين ليس عقيدة فردية، بل منظومة ثقافية معقدة، وأن فهمه يتطلب أكثر من قراءة نصوص مقدسة أو تحليل لاهوتي، بل يحتاج إلى مقاربة اجتماعية وسياسية وتاريخية ونقدية.
برحيل «مارتي» تفقد أمريكا والعالم أحد آخر عمالقة الفكر الديني النقدي. الرجل الذي لم يكتفِ بتفسير الدين، بل حاول كشف تناقضاته وأدواره المتشابكة في تشكيل الهوية الأمريكية. صوته سيبقى يتردد في كل نقاش جاد حول الدين والمجتمع في العصر الحديث.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات