عندما تجد المرأة الليبية نفسها مضطرة للبحث عن حماية لحياتها وجسدها من التعدي، قد يغيب عنها أن ثمة العديد من فوهات النار الراكدة أمامها تنتظر خطواتها، لعرقلتها وتذكيرها بأن الحماية من «الحامي» ليست أمرًا متسامحًا معه قانونًا ولا عرفًا!
من أولى هذه الفوهات أن القانون لا يعتد إلا بشكوى شخصية منها، وبحضورها شخصيًا، أو عبر توكيل محامٍ خاص، يرفع الشكوى نيابةً عنها. وفي كلتا الحالتين، يُشترط حضورها. هذا بحد ذاته تعجيز ما بعده تعجيز، حيث لا تتمكن المرأة غالبًا من التحرك بحرية، ناهيك عن أن معنفها غالبًا ما يكون هو نفسه وسيلة حركتها، وبالتأكيد لن يصحبها إلى أقرب مركز شرطة، لتقدم شكوى ضده وتطلب الحماية منه!
وإذا ما حظيت الضحية بالقدوم إلى مركز الشرطة، فإنها - بعيدًا عن التشكيك الذي قد تواجهه بشأن أقوالها، وفي ظل الاعتقاد بحق الجاني في «تأديبها» الذي ينص عليه القانون - قد تُقابل بشرطي يحمل على عاتقه راية المجتمع، لا مسؤولية وظيفته. وفي هذه الحال، قد يختفي محضر الاستدلال، ولا يُحال إلى النيابة.
وإن كانت الضحية على قدر كافٍ من الدراية القانونية، تطالب بتسجيل رقم للمحضر، ولا تكتفي بتركه عرضة للضياع، فتذهب بعد معاناتها الجسدية مثقلة بإيذاء آخر، إيذاء مصادرة حقها في الحماية، فتسعى بنفسها إلى النيابة العامة برقم المحضر، ليتم إرساله إليهم، وتعيد فاجعتها عند كل باب تطرقه.
بهذا الإجراء وحده فقط، تتمكن النيابة من فك القيد عن الدعوى، وتستعيد سلطتها في التحرك، حيث يقيد القانون الليبي سلطة النيابة العامة في قضايا العنف المنزلي خلافًا لما هو معمول به في بقية الجرائم، إذ حتى لو تناهى إلى علمها، أو رأت بأم عينها مواطنًا يجر زوجته أو يضربها حد الموت، لا يمكن لها التدخل لحماية الضحية إلا إذا حضرت شخصيًا، حتى ولو كان الجاني يربط قدميها ويكمم فمها، وهي على علم بذلك!
وبعد كل ما قاستْه من معاناة، والمخاطر التي خاضتها - وهي غالبًا لا تزال تحت سقف واحد مع معنفها - تستطيع النيابة، وفق القانون والصلاحية الممنوحة لها، ببساطة أن تحفظ الأوراق دون اتخاذ أي إجراء يضمن حماية الضحية التي تجرأت و«فضحت» ما تتعرض له بمطالبتها بالحماية.
نعم، فضيحة أن تطالب الليبية بالحماية من «الحامي»، المتمثل في أسرتها ودولتها.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات