رسمت المصالح المتصارعة للدول الاستعمارية على خريطة المنطقة العربية من شرقها إلى غربها، ما عرف بالدول العربية لاحقا، فخرائط التقسيم الاستعماري واتفاقيات سايكس بيكو ووعد بلفور ومعاهدات الحماية إلى الأبد هي التي ثبتت بشكل نهائي الحدود الجغرافية والسياسية للكيانات العربية ولم يستطع كل ما حصل بعد ذلك من تفاعلات وصراعات إدخال أي تغيير على هذه الوقائع التي تعكس مصالح واستراتيجيات أملتها إرادة الغرب أكثر من كونه يمثل حقائق اجتماعية وتاريخية صنعتها إرادة هذه الجماعات.
أدت هذه الخرائط إلى تدويل الخلافات والصراعات بين الزعامات المحلية والأمراء والمشايخ، فاكتسي دفاع الحاكم عن حدود نفوذه وسلطته ثوب الدفاع عن دولة وشعب ووطن وهي كلها مفاهيم أنتجتها الحداثة الغربية في ظل ظروف مغايرة وهي أيضا تحميها المواثيق الدولية وقواعد القانون الدولي الآمرة التي يجرى تفعيلها من قبل الغرب كلما اقتضت مصالحه الاستراتيجية ذلك، فهذه الولايات التي استولى عليها الغرب من الباشوات العثمانيين بعد أن هزمهم في الحرب العالمية الأولى، لم يعطها الغرب الفسحة التاريخية الكافية لنضج وتبلور العناصر المادية والمعنوية اللازمة لتأسيس دولة أو دول تمثل الواقع التاريخي والاجتماعي لأن ولادة مثل هذه الدولة تحرمها استراتيجية الغرب.
إذا عدنا على ضوء هذا الواقع إلى الإبادة التي تجرى في غزة لفهم موقف الحكام والنخب و«الشعوب» فلا بد أن نعود إلى خرائط التقسيم التي ما انفكت تعيد إنتاج الوقائع والأسباب التي توخاها منها الغرب، فقد أنتجت هذه الخرائط نوعين من الكيانات:
النوع الأول: تمثله كيانات لا يتجاوز العنصر البشرى فيها عدد قبيلة كبيرة أو قبيلتين أصبحت كيانا سياسيا له حدود وعلم ومصالح و«هوية» بفضل اتفاقات سايكس بيكو ووعد بلفور ومعاهدات الحماية التي عرفت باسم «السلام إلى الأبد ولا تنتهي إلى أن يشيب الغراب وتظهر البيضة في السماء» حسب نصها في الوثائق العربية وليس الإنجليزية وهي تمثل التقاء طموحات الزعامات القبلية مع مصالح الغرب الذي جعلهم حكاما يتوارثون الكتل السكانية التي حدد حجمها الديمغرافي وحدودها الجغرافية، ولعل هذا المخطط ما كان لينتج ثماره المرة التي تتجرعها المنطقة في هذا الوقت، لولا تدخل عنصر آخر وهو وجود ثروة بترولية تحت أقدام كل جماعة من جماعات هذه الكيانات التي أنتجتها أقلام سايكس وبيكو ومستر كوكس.
كانت نعمة النفط التي جادت بها الطبيعة هي الوصفة القاتلة لكل مشروع سياسي توحيدي سواء على مستوى الأمة والجماعة الكبرى أو على مستوى هذه الكيانات فيما بينها، فقد أدى وجود هذه الثروة الى نتيجتين أولاهما هي ارتفاع مستوى عيش الفرد وذلك بالنظر إلى حجم الثروة الكبيرة نسبيا وقلة عدد السكان مما جعل هذا الفرد يخاف مشاركة آخرين له في هذه الثروة من خارج الكيان الذي يعيش فيه مما سهل من مهمة الحاكم المناطة به من الغرب والتي تخدم مصلحته كحاكم أيضا، وهي معاداة أي أطروحة تؤدي إلى دمج الكيان الذي ورثه أبا عن جد في كيان آخر صغيرا كان أم كبيرا.
أما النتيجة الثانية فهي أنه أصبح بمقدور هذا الحاكم أن يدفع للغرب ما يشبه الجزية الدورية التي تصل إلى التريليونات تحت مختلف المسميات في مقابل بقائه واستمرار ورثته بحجة حماية الوطن من أطماع الآخرين، وهذا جعل الحاكم وأبناء الكيان لا يشعرون بأي ضرورة ضاغطة تدفعهم إلى اللجوء إلى الانتماء القومي الذي يشملهم مع من حولهم، ما دامت أساطيل الغرب وقواعده عينًا ساهرة ترعاهم من شرور وطموحات حكام النوع الثاني من الكيانات الكبيرة.
النوع الثاني: هذا النوع من الكيانات هو نتاج خرائط سايكس بيكو في الشرق واتفاقيات الحماية والغزو في شمال أفريقيا، وهي كيانات تعد ديمغرافيا وجغرافيا كبيرة نسبيا وبالتالي هي التي تجرى فيها الحراكات الاجتماعية والتمرد والانقلابات والحروب الأهلية وضربات الغرب وإسرائيل، ونظرا لأن استراتيجية الغرب كانت حريصة على ألا تلتقي عناصر الثروة والديمغرافيا والجغرافيا في كيان واحد، فإنه يندر أن تجتمع العناصر الثلاثة في هذا النوع من الكيانات باستثناء العراق نسبيا والذي تم تدميره طائفيا وعرقيا والجزائر التي تنتظر دورها، أما ليبيا رغم أنها بين البين إلا أنها تم إغراقها في حروب أهلية وصراعات ومليشيات ولا يستبعد ذهابها إلى التقسيم.
إذن هذا النوع من الكيانات التي في معظمها ليست لديها ثروة بترولية وديمغرافيتها في حالة احتراب، بدءا من سورية ومرورا باليمن والسودان وليبيا وانتهاء بالعراق ولبنان، لا تملك شعوبها ولا نخبتها رفاهية مد بصرها خارج مستنقع الاقتتال والصراع العبثي اليومي إلى الحد الذي لا يصدر فيه عن بعضهم أي ردة فعل على ما تقوم به إسرائيل من تدمير لمقدراتهم واحتلال أجزاء أخرى من أراضيهم ـ كما هو الحال في سورية ـ بل يستمرون في اقتتالهم وكأن ما تفعله إسرائيل بهم قدر إلهي لا اعتراض عليه.
إذا رجعنا على ضوء هذا الواقع إلى التساؤل حول ما إذا كانت كارثة حرب غزة هي مؤشر على هزيمة النخبة أم الشعوب وذلك باعتبار أن الحكام مستثنون من هذا السؤال لأنهم منتصرون باستمراريتهم وبقائهم في كل الأحوال، فإننا ما نجده وما نظنه أنه إجابات هي في الواقع تقريبية وقابلة للجدل ويمكن أن نجملها في الاحتمالات التالية:
1- شعوب ونخب كيانات النوع الثاني الكبيرة، مهزومة في أوطانها وداخل كياناتها سواء بسبب احترابها واقتتالها اليومي أو بتطبيع كياناتها رسميا مع إسرائيل تحت ذريعة أنهم ليسوا الأوصياء الوحيدين على القضية الفلسطينية ولا على العرب ولم يعد بإمكانهم أن يدفعوا أثمانا باهظة من دماء أبنائهم ومستقبل أوطانهم، بينما أبناء النوع الأول من الكيانات الصغيرة يتنعمون وحدهم بالثروات والحياة الرغدة ويرقصون مع الإسرائيليين في ملاهي عواصمهم الليلية.
2- حكام النوع الأول من الكيانات الصغيرة ومعظم نخبها وليس كلهم، يرون في أي حراك في الكيانات الكبيرة يحمل طابع المعارضة للغرب وإسرائيل، هو تنطع وبحث عن دور العظمة الذي يقودهم إلى الاصطدام مع إسرائيل والغرب، وبالتالي عليهم أن يتحملوا وحدهم نتائج ذلك أما هم فبإمكانهم أن يتعايشوا مع إسرائيل حضاريا ومدنيا ويصونوا رخاءهم واستقرارهم، فهم يخشون تلك الكيانات الكبيرة ولا يخشون من إسرائيل التي تقتضي مصالحها الحفاظ على الحكام والكيانات تحت هيمنتها بالقدر الذي تسمح لها به استراتيجية الغرب ومصالحه.
3- الكتلة السكانية في كل كيان من الكيانات الصغيرة محدودة ولا تستطيع تحمل دفع ثمن الصراع مع الحاكم حتى لو أرادت ذلك، ولهذا فإن الحاكم مطمئن إلى عدم فاعلية أي ردة فعل هامشية قد تصدر من عدد قليل من رعاياه، ولا سيما أنه لا يحرمهم تماما مما تجود به عليه الطبيعة من نعمة الثروة.
قد لا يستقيم وصف ما يجرى في غزة بأنه هزيمة لنخب الكيانات العربية، لأن الغالبية العظمى منهم ليست في خندق المواجهة مع إسرائيل حتى يطالهم معنى الهزيمة، بل هم موجودون في خندق إسرائيل والغرب ولا سيما أن كيانات عربية كثيرة وفرت لهم وسائل إعلام وفضائيات قوية، يحاججون من خلالها ويبررون كل ما يجرى من جرائم إبادة في غزة وكل ما تقوم به إسرائيل من تدمير وعربدة في لبنان وسورية واليمن، ويحملون مسؤولية كل ما يجرى لحركة حماس التي يصفونها بالإرهابية وعميلة إيران لارتكابها الفعل الشائن في السابع من أكتوبر مما اضطر إسرائيل إلى أن تقوم بردة فعل عقابية ضد مخططات إيران التي وصلت إلى خاصرتها الجنوبية والشمالية وهو خطاب مشترك بينهم وبين زملائهم من الضيوف الإسرائيليين في هذه المنابر.
أما الكتل السكانية العربية أو هذه «الشعوب» فإنها تجد نفسها بين حكام لا يخافونهم ويهشون عليهم كقطعان وبين نخبة تحت تصرفها كل ما وصلت إليه ثورة الاتصالات في مجال الإعلام لتنظر لقبول العجز والاستسلام والتواطؤ كقدر لا فكاك منه إلا بالقبول به وهذا عين الحكمة والعقلانية التي تتميز بها سياسة القادة لتجنيب شعوبهم ويلات الحرب التي لم تستشرهم فيها إيران الشيعية ولا أذرعها الإرهابية في المنطقة.
لا شك أن الهزيمة جزء من تاريخ كل الأمم منذ بدء الخليقة والعرب أصابهم منها الكثير، ولكن في هذه المرة لم تقع للعرب وهم يحاربون بل وقعت وهم بين متفرج وشامت ومشارك مع إسرائيل، وبعضهم لا يخفي سروره بما تحققه إسرائيل ويعتبر النصر الإسرائيلي إذا ما تكاملت شروطه نصرا له وهزيمة لأعداء السلام وللاتفاقيات الإبراهيمية.
إن ما يميز هذه الهزيمة هو أن إسرائيل والغرب لا يريدونها هزيمة لحماس وحزب الله والحوثيين، بل يريدونها أن تتجاوز كل هؤلاء لتكون هزيمة أبدية للفكرة الجامعة ولأطروحة الانتماء القومي.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات