Atwasat

سلطة بلا مساءلة.. ودولة بلا مناعة

أحمد زاهر الأربعاء 09 يوليو 2025, 01:15 مساء
أحمد زاهر

في أحد أيام يوليو اللاهبة، بعث الصديق الكبير، المحافظ السابق لمصرف ليبيا المركزي، رسالة علنية إلى ستيفاني وليامز، مبعوثة الأمم المتحدة السابقة، ردًّا على إشارات وردت في كتابها الأخير «ليبيا بعد القذافي: الفوضى والبحث عن السلام».

لكن من يقرأ تلك الرسالة بعيون مفتوحة يدرك أنها لم تكن مجرد تعقيب، بل وثيقة سياسية تكشف منطقًا أعمق تُدار به المناصب السيادية في ليبيا: منطق الخوف من التغيير، وتوازن الرعب، وتغليب كلفة الإزاحة على شرعية البقاء.

لم يكن الصديق الكبير أول من وُضع في هذا القوس الرمادي بين الشرعية القانونية والشرعية الواقعية، حيث سبقه مصطفى صنع الله، الذي أُطيح به من المؤسسة الوطنية للنفط ضمن ترتيبات لم تُبنَ على مراجعة الأداء، بل على إعادة تقاسم النفوذ. ولحق به الكبير نفسه في عملية مشابهة، كانت مدروسة بدقة، لتفادي أي اختلال في موازين السيطرة على أكبر مؤسسة مالية في البلاد.

لكن القصة لا تنتهي عند هذين الاسمين، بل تصل اليوم إلى ديوان المحاسبة، حيث لا يزال خالد شكشك يتصدر المشهد، بعد أكثر من عقد على تعيينه، على الرغم من انتهاء ولايته، وصدور حكم قضائي بوقفه.

اللافت هنا أن بقاءه لا يعود إلى قوة قانونية تحميه، بل لأن تغييره قد يُفجّر توازنًا هشًا، أو يفتح أبوابًا يخشاها الجميع.

ومع أن هذا الواقع قد يُستخدم كمبرر لاستمرار الرجل، إلا أنه لا يعفيه من المسؤولية. فإن كانت لديه الرغبة الحقيقية في حماية المؤسسة التي يقودها من مصير شبيه بالمصرف المركزي أو المؤسسة الوطنية للنفط، فبإمكانه، طوعًا، أن ينسحب بهدوء، منظمًا انتقالًا سلسًا نحو قيادة جديدة، وبما يحفظ استقلالية الديوان ونزاهته وفعاليته.

ومن بين أبرز محاولات اختراق الديوان، برز اسم السعيطي، وهو خريج في التربية الرياضية.. لا الرياضيات، كما قد يظن البعض، وعُيّن نائبًا لرئيس ديوان المحاسبة بطريقة غامضة، على الرغم من افتقاده الخلفية الرقابية أو المالية.

اللافت أن السعيطي هو شقيق أحد أعضاء البرلمان، وهو ما يطرح علامات استفهام حول السياق الذي تم فيه تعيينه، فسرعان ما أصبح جزءًا من شبكة عبد الغني الككلي، واستُخدم كأداة لاختراق الديوان من الداخل، ضمن مسعى لإزاحة خالد شكشك، وفرض واقع جديد. لكن هذه المحاولة انهارت مع تصفية «غنيوة»، ما سمح لشكشك بإعادة بسط سيطرته على مفاصل الديوان.

بل قبل السعيطي، جرت أولى محاولات لتقليص نفوذ الديوان عبر سحب صلاحية «الرقابة على العقود» منه، وإسنادها إلى هيئة الرقابة الإدارية، في توافق غير معلن بين مراكز القوى، هدفه إعادة ترتيب الأوزان داخل المؤسسات الرقابية.

وإذا كانت هيئة الرقابة الإدارية قد صمدت اسمًا، فإنها تفككت مضمونًا، حيث تم تقاسمها فعليًا، حتى إن إحدى أبرز إداراتها (الرقابة على العقود)، التي سُحبت من ديوان المحاسبة، سقطت بيد شبكة عبد الغني الككلي، الذي بسط نفوذه على الهيئة حتى تصفيته. حينها فقط طُرحت على العلن اعترافات لرئيس القسم الموقوف، تحدث فيها عن تعليمات بالتدخل، وابتزاز الشركات، وتنفيذ أوامر من خارج المؤسسة. بل أكثر من ذلك، تحوّلت الهيئة، في لحظات كثيرة، إلى ما يشبه «العصا الغليظة» في يد مراكز القوى، تُستخدم لا لردع الفساد، بل لتأديب الخصوم، وترويض المتمردين، متى اقتضت الحاجة، ذلك وفق موازين النفوذ لا موازين العدالة.

بهذا، لم تعد هيئة رقابية، بل أداة في لعبة التقاسم السياسي الأمني، تؤدي دورًا أبعد ما يكون عن الرقابة بالمعنى المؤسساتي.

أما هيئة مكافحة الفساد، فلا تحتاج إلى تحليل طويل، فهي مفارقة لغوية أكثر منها هيئة واقعية: منقسمة، معطلة، ومنخورة بشبهات فساد منذ تأسيسها، عاجزة عن أداء دورها، ولا تتمتع بأي أدوات فعلية للتحقيق أو التحصين المؤسسي.

ما تكشفه كل هذه الوقائع أن الدولة الليبية لا تُدار الآن وفق مبدأ سيادة القانون، بل وفق قاعدة: «من يبقى أكثر.. لا من يصلح أكثر». كل موقع سيادي تحوّل إلى ورقة ضمن طاولة حسابات أوسع، وكل تغيير يُقاس بميزان المخاطر، لا بميزان النصوص.

في هذا السياق، تصبح الرسالة التي كتبها الصديق الكبير وثيقة بالغة الأهمية، ليس لما قاله دفاعًا عن نفسه، بل لما كشفه بصمته عن واقع الدولة: مؤسسات تدار بمنطق «التمكين»، ومناصب تُحكم بالخوف من البديل، ودولة بلا رقابة، تكاد تتحول إلى جسد بلا جهاز مناعة.

ليست المشكلة في الأشخاص فقط، بل في إعادة تعريف وظيفة الدولة ذاتها، وفي الغياب المريع لمسار تأسيسي يُعيد ضبط العلاقة بين السلطة والقانون والمساءلة. فحين تصبح الرقابة وظيفة شكلية، والشفافية ديكورًا في البيانات، وحين يتم تقاسم المؤسسات كما تُوزّع الحصص، تكون البلاد قد دخلت زمن «ما بعد المؤسسات»، حيث لا سيادة حقيقية.. ولا مساءلة ممكنة.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»

عناوين ذات صلة
هل تغيرت الخارطة الكروية الدولية أم هي ضغوط حماس اللحظة؟
هل تغيرت الخارطة الكروية الدولية أم هي ضغوط حماس اللحظة؟
وكذا حبيبتي في الشعر
وكذا حبيبتي في الشعر
المخابرات الليبية من أين وإلى أين ولماذا؟
المخابرات الليبية من أين وإلى أين ولماذا؟
الترجمة: عندما يعيد النص العتيق تشكيل وعينا
الترجمة: عندما يعيد النص العتيق تشكيل وعينا
الحفر في الذاكرة الليبية: أضواء وظلال على «المنفى الذهبي» لمصطفى يونس (4-7)
الحفر في الذاكرة الليبية: أضواء وظلال على «المنفى الذهبي» لمصطفى يونس ...
المزيد