في خضم الحرب الهمجية التي تشنها إسرائيل على غزة ولبنان وسوريا وإيران، بدأت عودة نموذج القوة العارية إلى مجال العلاقات الدولية تزداد وضوحا كل يوم، فهذا النموذج يعتبر من أقدم النماذج في العلاقات البشرية منذ أن تشكلت الجماعات البدائية، مرورا بعصور الإمبراطوريات، ولعل مصطلح «السلام الروماني» هو تجسيد لهذا النموذج في تلك المرحلة، فهذا السلام لا يعني سوى الاستسلام أو صمت القبور وصولا إلى القرن الخامس عشر الذي أباد فيه الغزاة البيض الأوروبيون السكان الأصليين في القارة الأميركية رافعين شعار الهندي الطيب هو الهندي الميت، لكن أخطر المراحل التي ساد فيها نموذج القوة العارية في العصور الحديثة هي تلك المرحلة التي حققت فيها أوروبا نهضتها العلمية والاجتماعية وتشكلت دولة برجوازية متسلحة بالعلم وأدوات الحرب التي لا تمتلكها شعوب القارات الأخرى فقررت أن تستغل هذه «الهوة التكنولوجية» بينها وبين بقية الأمم الأخرى، وتستبيح الكرة الأرضية بشعوبها وأراضيها وثرواتها ودمائها، فسادت لغة البارجة والمدفع فقط وانعدمت الخيارات أمام الطرف الآخر ما عدا خيار الاستسلام والخضوع أو الموت واختفى مفهوم الخطوط الحمراء أمام منطق القوة العارية التي لا قيود على استخدامها، فالدمار والقتل الجماعي والإبادة مباحة دون حدود ولا يوقفها إلا استسلام هذا الشعب وذاك والكف عن أية ردة فعل مقاوم واعتبار نفسه وأرضه ملكا لمالك القوة تحت مسمى مستعمر ومستعمرة. فقد نجحت البرجوازية الأوروبية في وضع حد لنظام القنانة والاستعباد في بلدانها واستبدلته بنظام قنانة آخر أصبح فيه أبناء مستعمراتها أقنانا لا يملكون حقوقا في وطنهم ولا على أرضهم وثرواتها، التي أصبحت جميعها ملكية للمستعمر.
لكن الحرب العالمية الثانية أفرزت نظاما دوليا ثنائي القطبية تقوم فيه العلاقات على توازن الرعب والتدمير المتبادل فظهرت الأحلاف ومناطق النفوذ بدل المستعمرات ومساحة رمادية تتموضع فيها بعض الدول الضعيفة بين القوتين، كل هذا تحت مظلة ميثاق الأمم المتحدة الذي في حقيقته ما هو إلا تخفيف وتحسين لنموذج القوة العارية دون أن يمس مفهوم القوة في العلاقات الدولية، ولكنه في الوقت نفسه ستر عورة القوة وأعطى مساحة لمفهوم الدبلوماسية والمفاوضات والتعاون ومفهوم السيادة وتميزت تلك المرحلة بظهور عشرات الوحدات الدولية لتصبح أعضاء في هذا النظام الدولي بعد أن كانت مستعمرات طوال سيادة نموذج القوة العارية الذي تم كسره بواسطة مقاومة تلك الشعوب المدعومة من المعسكر الشرقي، الذي كانت مصالحه وأيديولوجيته تقتضي تقويض هيمنة المعسكر الرأسمالي ولكن مع بداية الألفية الثانية وسقوط الثنائية القطبية بدأ هذا النظام الذي كان يستر عورة القوة في العلاقات الدولية يدخل في أزمة، عندما قررت الولايات المتحدة وبريطانيا غزو العراق وإسقاط النظام السياسي دون تفويض من مجلس الأمن الذي شاركت هاتان الدولتان في إنشائه.
لقد وضعت الولايات المتحدة اللبنة الأولى ومهدت الطريق للعودة إلى نموذج القوة العارية باحتلالها للعراق ووضعه تحت سلطة حاكم عسكري باعتباره مستعمرة لا سيادة لها، فأعادت بذلك إحدى صور القرن التاسع عشر الذي ساد فيه نموذج القوة العارية واستحلت فيه أوروبا أراضي ومياه ودماء شعوب القارات الثلاث تحت منطق أنها أراض لا مالك لها ما دامت لا تتبع سيادة دولة ولا يرفرف فوقها علم من أعلام الدول الأوروبية الاستعمارية صاحبة السيادة والمالكة الوحيدة لتكنولوجيا الحرب والدمار. غير أن تجليات هذا النموذج ظهرت بصورة أكثر وضوحا في حرب الإبادة التي تشنها إسرائيل بسلاح وتكنولوجيا الولايات المتحدة وبعض دول الغرب ضد الشعب الفلسطيني دون أن تستطيع بقايا مؤسسات النظام الدولي ولا الكيانات العربية أن تقدم شربة ماء لشعب تجرى إبادته ليلا ونهارا وهذا شجع إسرائيل على تبني هذا النموذج، وأن تأمر فاستحلت لبنان ثم سوريا تمهيدا لتغيير وجه الشرق الأوسط وإخضاع جميع كياناته لمنطق نموذج القوة العارية، ولكن لكى يتم لها ذلك لا بد من تدمير إيران لأنها هي الطرف الوحيد الذى لا يزال يملك بعض وسائل الدفاع عن نفسه في زمن «الهوة التكنولوجية» وسيادة منطق القوة العارية ولهذا يجب إخصاء إيران بمساعدة الولايات المتحدة وذلك أسوة ببقية كيانات الشرق الأوسط العربية حتى يعود هذا «العبد الإيراني الآبق» إلى حظيرة إخوانه من الرقيق العربي، وعندها تستطيع إسرائيل أن تعلن سيادة نموذج القوة العارية وسقوط كل معاهدات السلام التطبيعية والإبراهيمية وأن تأمر بإعداد أماكن لاستقبال المهجرين الفلسطينيين من غزة والضفة الغربية دون جدل أو أخذ ورد، بعد أن صار بإمكانها أن تأمر وتطلب ما تشاء وتفعل ما تشاء بكل هذه الكيانات وقد أصبحت في حكم الأراضي التي لا مالك لها ما دامت لا تملك قدرة الدفاع عن نفسها، بل يصبح بإمكان إسرائيل في أي وقت أن تعلن بأنها ستقتل رئيس الكيان الفلاني غدا أو بعد الغد إن لم يستجب فورا إلى ما طلبته منه ولن يصدر عن الغرب أية ردة فعل على مقتله سوى التعليق المشهور «أن العالم قد أصبح بدونه أفضل».
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات