Atwasat

أعياد

منصور بوشناف الخميس 05 يونيو 2025, 06:27 مساء
منصور بوشناف

غالبا ما يزين الليبيون أعيادهم وأفراحهم بالنار والبارود، فلا يمكن أن يقام عرس أو عيد وطني إلا بإيقاد النيران وإطلاق الرصاص، غالبية الأعياد والأفراح، عدا الأعياد الدينية. فيمر عيد الفطر وعيد الأضحى المباركان مثلا، بهدوء وسلام اجتماعيين، فلا صوت يعلو في هذين العيدين إلا التكبير والحمد، ويتعانق الليبيون متسامحين، راسمين صورة الإسلام الحقيقي وروح العقيدة الحقيقية للإسلام، أعني «السلام والعفو والتسامح»، وتلك سنة حسنة مباركة ولاشك.

تلك الروح ظلت أحد مظاهر إنقاذهم من التفتت والتشرذم، وظلت قارب النجاة الذي يخرجهم من عواصف وأعاصير الفتن والحروب الأهلية، كانت الأعياد الدينية فرصة لإطفاء نيران العداوات والصراعات الكبيرة والصغيرة، بالتأكيد لم يكن هذا سنة دائمة ثابته، حصلت خروقات لهذه السنة مرات ولكنها كانت قليلة ومستهجنة وملعونة ليظل السلام والتسامح أهم مظاهر أعيادنا الدينية.

الفقيه الليبي البسيط وعلى الرغم من شراسته في التحريض على المقاومة وتبجيل القتال ضد الغازي الأجنبي، ظل، إلا في حالات نادرة، حمامة سلام بين نجوع وقبائل وواحات ومدن الوطن وأبناء الوطن الواحد والعقيدة الواحدة، «لا تقذف ابن عقيدتك ووطنك ولو بحصوة كلام جارحة» ومن «عفا وأصلح فأجره على الله» ظلت تلك القيم ميثاق السلام الاجتماعي الذي يرفعه الفقيه الليبي البسيط «الذي ربته ورعته الوسطية الزاهدة المتصوفة الليبية» في وجه شياطين الفتنة والبغاة، فلم يعرف الليبيون فقيها حرض على قتال ليبيين أو أصدر فتوى تكفر فريقا آخر من الليبيين، بل ظل صوت الفقيه الليبي البسيط يرتفع دائما «الصلح خير».

الأعياد الدينية كانت مناسبة وفرصة للتسامح ولإصلاح ذات البين، كانت الفرق الصوفية وفقهاء وشيوخ الناس يقودون التصالح والتسامح بين المتخاصمين والمتقاتلين، بل كانت فرق الصوفية الليبية بكل طوائفها ترفع أعلام السلام لتفصل بين المتقاتلين في قلب معارك الحروب الأهلية لتُجلس المتقاتلين للتصالح.

الليبيون وفقهاؤهم وشيوخهم لم يرثوا ثقافة «الفتنة الكبرى»، تلك التي أباحت تكفير المسلم لأخيه المسلم وأباحت مقاتلته وقتله، ووعدت كل طائفة مقاتليها بالجنة إن قتلوا وهم يقاتلون الطائفة المسلمة الأخرى.

الليبيون ورثوا ثقافة الاعتدال الصوفي التي ترى المسلمين واحدا، فمن نطق بالشهادتين حرمت على المسلم روحه وماله، ذلك العقد المهم لترسيخ الوحدة والأمان بين أبناء العقيدة الواحدة، ظل عقيدة الفقهاء وشيوخ الطرق الصوفية في ليبيا، وظلوا يرسخونها وسط أهلهم، ورغم كل الصراعات القبلية والجهوية وحتى الحروب الأهلية، لم يستخدم فيها الدين ولا فتاواه، ليظل الإسلام عقيدة وعقدا للسلام الاجتماعي، وكل ذلك كان بفضل فقهاء بسطاء وشيوخ صوفيين، ظلوا يرسخون أن دم المسلم على المسلم حرام، بل ويرون في الصراعات والفتن بين المكونات، ميراث جاهلية بغيض، ربما لعب زعماء وشيوخ القبائل ذلك الدور الجاهلي، دون أن يستخدموا الدين ولا شعاراته في حروبهم وصراعاتهم.

مع عصرنا الحديث خرج فقهاء وشيوخ السياسة، «فقهاء السلاطين أو فقهاء المعارضة» لينقلوا لنا تراث الفتنة الكبرى، لننقسم وفقا لفتاواهم ودروسهم إلى فساطيط وشيع وأحزاب، ولتشتعل حروبنا الأهلية، حروب الطائفية الدينية التي ظللنا بمنأى عنها ولا نعرف من تاريخها شيئا.

أعيادنا الدينية تحولت أيضا إلى أداة للصراع ومناسبة لإشعال الحروب القبلية والجهوية، تعلو تكبيراتها القبلية مقرونة باسم الله، الليبيون في حروبهم الأهلية الجديدة وعبر شيوخ وبفتاوى مستوردة من إرث الفتنة الكبرى ومن ثقافة الطوائف المتناحرة، نقلوا حروبنا القبلية والجهوية إلى حروب المقدس، حروب المؤمنين ضد الكفار، لتحتل الفتوى والدرس الديني مكان أشعار وأناشيد الحروب الأهلية، وتخلى الفقيه الليبي عن دوره القديم الذي ظل يلعبه بتفانٍ وإخلاص، ناشرا السلام الاجتماعي وإخماد نيران الفتنة والحروب بين القبائل والمناطق، إلى داع للحروب ومحرض لقبيلة على قبيلة أخرى ولمدينة على مدينة أخرى، ليصبح سكينا مسموما يمزق نسيج مجتمع متهالك، يتشظى ليتناثر نتفا تذروها رياح وعواصف الفتن «المقدسة» التي حولت أعيادنا إلى مناسبة للقتل وسفك دمائنا.
 



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»