Atwasat

شعب لم يغادر ذاته: كيف عمّقت الجغرافيا عزلتنا؟ (2-3)

طارق القزيري الجمعة 30 مايو 2025, 05:35 مساء
طارق القزيري

بلد يمتد على جغرافيا واسعة، ويتنقل أبناؤه عبر مطارات العالم، ظل – ثقافيًا – وكأنه لم يغادر خيمته الأولى. فكيف نفهم هذه الفجوة بين حركة الجسد وجمود الروح؟ بين الجواز النشط والخيال المقيد؟ ولماذا ظل النتاج الإبداعي الليبي، على الرغم من تجارب فردية لامعة، محاصرًا بثقافة الانغلاق والتكرار بدل أن يكون بوابة لاكتشاف الذات والعالم معًا؟

في مثل هذا المناخ، يصبح «الآخر» فكرة مشبوهة، ويُنظر إلى الجديد على أنه تهديد أكثر منه فرصة. وعليه، فإن الإبداع – بطبيعته القلقة والمغامِرة – لا يجد في هذه البيئة حاضنةً طبيعية، بل يظل كائنًا معلقًا بين الحاجة للتعبير والخوف من الخروج. هذا ما يُفسر لماذا ظل الشعر الليبي، على الرغم من صدقه وقوة لغته، أسيرًا لثيمات الأرض، والقبيلة، والرحيل، والاغتراب، والحزن والموت، دون مشروع فني مجدِّد أو طليعي.

سفر بلا تحول!!
الأمر نفسه ينسحب على الفنون التشكيلية والمسرحية، وحتى على السينما التي بقيت شبه غائبة على الرغم من كل الإمكانات البصرية الكامنة في مشهد الصحراء والمدن والساحل. فالفن ليولد يحتاج إلى فضاء تعددي، إلى أسئلة صدامية مع المألوف، إلى «آخر» حاضر للنقاش لا مجرد ضيفٍ عابر أو خطرٍ محتمل. لكن ليبيا – في بنيتها الثقافية العميقة – لم تطور بعد هذا النوع من التفاعل مع المختلف، سواء داخلها أو خارجها.

حتى ظاهرة السفر الليبي المتكرر، التي قد يُفترض أن تفتح الأفق وتثري الخيال، جاءت هي الأخرى مقيدة بشروط الضرورة: للسياحة، للعلاج، للتجارة، للدراسة، لا للتمازج الثقافي الحقيقي. فالسفر، في هذه الحالة، لا يعني الانفتاح، بل الهروب المؤقت. يعود المسافر – في الأغلب – محملًا بالبضائع لا بالأفكار، وبالحنين لا بالأسئلة، وكأن الجغرافيا الممتدة خارج الوطن لا تكفي لتحرير الذهن من عزلة الداخل.

في النهاية، فإن تأثير الجغرافيا الليبية الواسعة والديموغرافيا الصغيرة على الإبداع لا يُقاس فقط بما هو موجود، بل بما لم يوجد بعد. فالمبدع الليبي لا ينقصه الخيال، لكن تنقصه التربة التي تحتمل الاختلاف، تنقصه مدينة ثقافية تعترف به، وسوق حرة للأفكار، ومنصات مفتوحة للتجريب والمواجهة. الإبداع، في ليبيا، لم يمت، لكنه حتى الآن لم يولد بما يكفي.

تونس: النموذج المكافئ.. المختلف!!
حين نقارن بين ليبيا وتونس من زاوية أثر الجغرافيا والديموغرافيا على الإبداع الفني والأدبي، فإننا لا نقف أمام مجرد فرق في المساحة أو عدد السكان، بل أمام نموذجين ثقافيين متباينين في العمق: أحدهما – ليبيا – وُلد في اتساع الصحراء، فصار حذراً، متأمّلاً، معزولاً، والآخر – تونس – نشأ في تماسّ دائم مع البحر، والمدن، والتنوع، فصار تفاعلياً، جدلياً، يميل إلى التثوير والتجديد.

ليبيا، كما أوضحنا، تعاني معادلة معقدة: جغرافيا هائلة، ديموغرافيا صغيرة، بنية قبلية متماسكة، ومسافة شاسعة بين التجمعات السكانية. هذا الواقع أنتج نمطاً من الثقافة المرتكزة على الثبات، الحذر من الآخر، والارتهان للمحلي كهوية حصريّة. فالمبدع الليبي، في ظل هذا السياق، يكتب من داخل جدران الهوية لا من خارجها، ويتعامل مع الفن كمساحة لحماية الذات من التلاشي لا كأداة لاختراق العادي أو تفكيك المسلّمات. الشعر يعيد تدوير الصور، القصة تنكفئ على الحنين، والفن التشكيلي كثيراً ما يحاكي الصحراء كجغرافيا للعزلة لا كثافة رمزية.

أما تونس، فقد استفادت من كثافتها السكانية النسبية، وتوزيعها الحضري المتوازن، وانفتاحها الجغرافي على المتوسط وأوروبا، في بناء فضاء ثقافي متفاعل. من صفاقس إلى تونس العاصمة، ومن سوسة إلى القيروان، نشأت طبقة وسطى حضرية مثقفة، قادرة على استيعاب الحداثة وتمثلها نقدياً، فنتج عن ذلك أدب ناقد، وفنون تشكيلية تجريبية، ومسرح سياسي بامتياز. حتى في لحظات الاستبداد، كما في عهد بورقيبة وبن علي، حافظت تونس على تقليد «الجدل العام»، وعلى حد أدنى من حرية التعبير في الفضاء الثقافي، مما منح المبدعين فرصة لصياغة خطاب مزدوج: ظاهرٌ مُهادن، وباطنٌ احتجاجي.

وللتدليل على دور السلطة، يمكن أن نستذكر معركة «الحبيب بورقيبة» مع القبائل والعروش، حيث رأى فيها خروجا عن نسق الدولة، وكان ابن الحاضرة الساحلية التونسية ينظر بعين الرفض لكل شيء يجزّئ سلطة الدولة، ويقطع تواصلها، على الرغم من اعتماده عليها مبدئيا في تعميم الاحتجاج ضد الاحتلال، قبل أن يفككها لاحقا.

تكرار الفعل وتباين الهدف!!
هناك فارق آخر مهم: في تونس، وُجدت المدينة كمؤسسة ثقافية – ناشرة: المسرح، الجامعة، الصالون الأدبي، السينما!!. أما في ليبيا فلم تتطوّر المدينة بوصفها فضاءً ثقافياً مفتوحاً، بل بقيت أقرب إلى مراكز إدارية أو سكنية، محاطة بثقل التقاليد الجهوية والقبلية. وبالتالي، فإن الانفتاح التونسي لم يكن مجرد نتيجة انفتاح سياسي، بل تجلٍّ لتاريخ طويل من الاحتكاك الحضاري والمرونة الاجتماعية.

حتى السفر يفعله التونسي (المغاربي عموما) من أجل العمل وكسب الرزق، وهو ما لا يحتاجه الليبي عادة – في فترات سابقة على الأقل – ما يحمل رغبة الاستقرار والتعايش، عكس المسافر السائح، أو الغرضي (= علاج مثلا أو دراسة). ليس الأمر قضية جبلة أو فطرة بقدر ما هو تراكم لظروف طبيعية وجغرافية، ثم سياسية اجتماعية، لتنتج منظورا نفسيا سكانيا بمواصفات مغايرة عن ما عداها.

بصياغة أخرى: يمكن القول إن تونس طوّرت ثقافة «المواجهة الثقافية»، بينما طوّرت ليبيا ثقافة «الانكماش الوقائي»، وهذا لا يعني تفوّق أحد النموذجين جوهرياً، بل اختلافهما الجذري في شروط النشأة والتمثّل. لا يمكن إغفال أن الإرادة السياسية والرؤية هي العامل الضابط لمثل هذه التحولات في بنية المجتمع ووعيه. وما يحتاجه المشهد الليبي اليوم هو ليس فقط فضاء حراً، بل أيضاً إعادة تشكيل العلاقة بين الفرد والجماعة، بين الجغرافيا والإبداع، بين الجذور والآفاق.

ولكن ماذا عن العنف السياسي والاجتماعي؟ وهل يمكن أن تشكل هذه المقاربة إطار تفسيريا ممكنا – ولو جزئيا – لما يعتمل في ليبيا؟ بعيدا عن رمي التبعة على الاقتصاد أو الخارج، أو مجرد شبق سلطوي لدى نخب الصدفة الطارئة، كما هو بعد الاضطرابات السياسية العنيفة – عادة - في كل المجتمعات.

سنعود...
--------------------------------------
• «برانيس مزقها بورقيبة» - أمين الحشاني (موقع خط 30) – 03-08-2023
• «العروشيّة في تونس: هل اقتلعت دولة الاستقلال جذورها؟» - هاجر عبيدي – رصيف 22 / 13-12-2024

 



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»