Atwasat

صدام حسين وحافظ الأسد والقذافي وعبد الله صالح في مقهى المتقاعدين

صالح السنوسي الأربعاء 16 أبريل 2025, 05:28 مساء
صالح السنوسي

ليس هناك ما يميز المقهى الأقرب إلى بيتي سوى أنه قبلة المتقاعدين من مختلف فئات المجتمع، فمنهم من لم ينل حظا وافرا من التعليم ومنهم المهندس والطيار والمدرس المخضرم ورجل الأعمال، ولا تخرج نقاشات هؤلاء في أغلب الأحيان عن أوضاعهم المعيشية وظلم الضمان الاجتماعي إلى جانب السياسة العربية، ولكن اليوم وجدت أمامي جدلا ساخنا لا أعرف كيف كانت بدايته.

كان أحدهم الذي سميته المتقاعد الأول يكاد يقف من على كرسيه وهو يقول: والله لو كان صدام حسين وحافظ الأسد والقذافي وعلى عبد الله صالح لا يزالون يحكمون بلدانهم ما كان يصل هذا العار وهذه البشاعة إلى هذا الحد الذي نراه الآن في الشرق الأوسط، دون أن يقوم حاكم عربي واحد بردة فعل تتجاوز الوساطة والاستجداء والمزايدة على محبة إسرائيل واسترضائها والارتماء في أحضان الولايات المتحدة والغرب خوفا من غضبهما، وتسهيل مرور ما تحتاجه إسرائيل من سلع وبضائع تعويضا لها عن توقف خط ملاحة السفن في البحر الأحمر والمساهمة في الدفاع عن سماء إسرائيل من اختراقات الصواريخ الإيرانية، وتمخطر قادة الموساد وجنرالات الجيش الإسرائيلي في فنادق العواصم العربية حاملين معهم إملاءات نتنياهو وتوعداته، تاركين خلفهم أشلاء آلاف الأطفال والنساء الفلسطينيين تأكلها الكلاب الضالة في شوارع غزة بعد أن داستهم جنازير دباباتهم وسحقتهم قنابل طائراتهم.

بمجرد أن توقف انفجر جليسه المتقاعد الثاني بصوت أقرب إلى الهدير: هؤلاء كانوا جميعهم طغاة يتحكمون في مصائر شعوبهم دون منازع، عندما اجتاحت إسرائيل لبنان واحتلت بيروت وألقت بالمقاومة الفلسطينية في عرض البحر ورعت مجازر صبرا وشاتيلا، ولم يستطع هؤلاء تحريك ساكن عوضا عن التصدي لإسرائيل عسكريا.

يرد عليه متقاعد ثالث مناصرا الأول: هو لا يقصد الدفاع عما يفعله هؤلاء بمعارضيهم، ولكن أثناء حرب لبنان كان العراق عالقا في حرب ضروس مع إيران والقذافي غارقا في تشاد، أما حافظ الأسد الذي تخلى عنه بقية الحكام العرب فقام بردة فعل قوية على الغزو الإسرائيلي ولكن تدخلت التكنولوجيا الأميركية التي فككت شفرات بطاريات الصواريخ الروسية الصنع فأصيبت بالعمي وتم تدميرها جميعا إلى جانب إسقاط عشرات المقاتلات السورية خلال ساعات فاضطر الجيش السوري للانسحاب، ومع ذلك لم تصل الدبابات الإسرائيلية إلى جبل الشيخ المشرف على دمشق ولكن هل رأيت اليوم جيشا عربيا أطلق رصاصة واحدة في اتجاه إسرائيل؟

يتصدى متقاعد رابع مؤازرا المتقاعد الثاني: لو كان هؤلاء بيننا اليوم لن يفعلوا شيئا سوى المزايدة والصراخ مطالبين الحكام الآخرين بفتح حدودهم حتى تصل جيوشهم إلى ميدان المعركة من جميع النواحي، وهم يعلمون بأن أولئك لن يفعلوا ذلك خوفا على أنفسهم وليس على شعوبهم من إسرائيل والولايات المتحدة.

يعود المتقاعد الأول إلى حلبة الجدل قائلا: في ظل أوضاعنا اليوم افتقدنا حتى المزايدة التي لا تخلو من بعض الفائدة، فلو كان هؤلاء الأربعة موجودين ويزايدون كما تقول لخلقوا حالة من التوتر والتوازن في الموقف العربي بدلا من هذا الاصطفاف المخجل والمذل وهذا الصمت الرهيب فهل رأيت فضائية واحدة تنتقد الموقف الذليل لهذه الأنظمة؟ يتدخل المتقاعد الثالث ليضيف: كل النخب المسموح لها بالوصول إلى الإعلام ليس لها من وظيفة سوى الدفاع عن تخاذل هذه الأنظمة وخوفها وتواطئها وتبرئتها من كل ما يجري وتحميل المسؤولية لأذرع إيران كما يقولون وكأن هؤلاء عملاء مجرمين يشنون حربا عدوانية همجية لمصلحة إيران ضد إسرائيل الآمنة المغدور بها والساعية إلى التطبيع والسلام مع العرب والفلسطينيين، ولو كان هؤلاء الحكام الأربعة موجودين اليوم لكان لمزايداتهم وإعلامهم دور في انقسام الساحة العربية الرسمية، لأن التحريض والتشهير العلني يخلق حالة من التوتر واستعداد للتمرد فيفتح فجوات في جدار الخوف الذي تفرضه بقية الأنظمة على شعوبها.

وهذا قطعا يؤدي لاستشعار هؤلاء الحكام للخطر على وجودهم من الداخل أيضا وليس من جانب إسرائيل والغرب فقط وبالتالي يضطرون للدفاع عن أنفسهم ولو بالمزايدة على الأقل وهذا يعني التخفيف من مواقفهم المتواطئة علنا وقد يلوحون ـ في ظل خوفهم من الداخل ـ ببعض من أوراقهم الكثيرة في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة مما يدفع هاتين القوتين ـ في إطار تفهمهما للأوضاع الهشة لهذه الأنظمة ـ إلى التخفيف من الإبادة الجماعية للفلسطينيين ومن ممارسة الإذلال والاحتقار لشعوب المنطقة.

يتصدى له المتقاعد الثاني مرة أخرى بشيء من النرفزة: يا أخي تتحدث عن هؤلاء وكأنهم كانوا أبطالا مغاوير، بينما أثبتت الأحداث في زمنهم أنهم يخافون من إسرائيل والغرب أكثر من خوف حكام هذه الأيام؛ فلم يسمح الأسد بإطلاق رصاصة واحدة من الحدود السورية في اتجاه إسرائيل، رغم ما كانت توجهه من ضربات تدميرية لأهداف داخل سورية، ألم يسلم القذافي برنامجه النووي بالكامل للولايات المتحدة بدلا من الأمم المتحدة في سابقة أصبحت مضربا للمثل في الخوف والخضوع؟ ألم يقم نفس الرجل إبان انتفاضة فبراير بمغازلة إسرائيل ثم تحذيرها بأن ما يجرى في ليبيا يشكل خطرا على أمن إسرائيل؟ وألم يتواطأ على عبد الله صالح ويغض الطرف عن عملية تهجير آلاف اليهود اليمنيين التي قامت بها المخابرات الإسرائيلية؟ أما صدام حسين ألم يقبل بتفتيش قصوره الرئاسية ومقر سكناه من قبل المفتشين الأميركيين تحت مسمى الأمم المتحدة؟

وقبل أن يحصل رد من الطرف الآخر يضيف المتقاعد الأول إلى ما كان يقوله صاحبه: وليس هذا فقط فقد ارتكب هؤلاء جرائم ضد شعوبهم لا تقل عما ترتكبه إسرائيل ضد الفلسطينيين، فحافظ الأسد دمر مدينة حماة وقتل آلاف السوريين بينما قتل صدام حسين الآلاف من أبناء شعبه بالأسلحة الكيماوية، في حين لم يتورع القذافي في شن حرب على الليبيين بعد انتفاضة فبراير راح ضحيتها آلاف من الليبيين في سبيل أن يبقى هو وأبناؤه في السلطة، ورأيت ما فعله على عبد الله صالح باليمنيين دفاعا عن سلطته حتى أوصل اليمن إلى ما وصل إليه اليوم.

يرد عليه المتقاعد الرابع وهو يعيد فنجان قهوته إلى الطاولة بعد أن كان يستعد لأخذ رشفة منها: أولا ليست هناك دولة ولا حاكم لا يخشى المواجهة مع الولايات المتحدة، فما بالك بهؤلاء الذين يحكمون كيانات ضعيفة وكل من حولهم من خصومهم حكام الكيانات العربية يتآمرون عليهم ويتمنون لهم الهزيمة حتى يستريحوا من نشازهم بسبب مواقفهم القومية التي تثير القلاقل الداخلية لهؤلاء الحكام المستسلمين لحالة العجز والخوف والمذلة في مقابل أن ترضى عنهم إسرائيل والولايات المتحدة ليبقوا على ظهور رعاياهم.

وثانيا أنت لا تفرق بين حالة هؤلاء كحكام مستحوذين على السلطة ولا يقبلون بالديمقراطية والتداول السلمي للسلطة ولا حدود لعنفهم ضد معارضيهم، وبين حالتهم كحكام لهم مواقف لا تخلو من الوطنية والقومية، بعكس حكام هذه الأيام الذين إلى جانب عجزهم واستسلامهم للأجنبي، لا يقلون عن أولئك ديكتاتورية ودموية ومعاداة للديمقراطية، بل إن الكثير منهم يتوارثون رعاياهم كما يتوارثون العقار والمنقول، وعند هذا الحد أخذ المتقاعد الأول يتململ ويتهيأ للرد فوضع المتحدث يده على كتفه طالبا منه أن ينتظر فقد قارب على الانتهاء: اسمح لي أقول لك لو كان هؤلاء الأربعة لا يزالون يحكمون لما صمتوا متفرجين على كل هذه البشاعة وهذا العار، لأنه ليس لديهم ما يميزون به أنفسهم أمام شعوبهم عن بقية الحكام العرب الآخرين سوى مواقفهم القومية وهذا كان سيجعل إسرائيل والولايات المتحدة يواجهون موقفا عربيا رسميا منقسما وليس موقفا واحدا موحدا تحت راية الاستسلام وخطاب الشماتة والتشفي بما تحدثه إسرائيل والولايات المتحدة من مجازر ودمار بالأطراف التي تقاوم.

طفح الكيل بالمتقاعد الأول فقاطعه: أنت لا تقول الحقيقة وتعرف أن هؤلاء ما كانوا ليستطيعوا تحريك الشارع العربي، لأنهم فاقدون للمصداقية في نظر الشعوب العربية التي ترى ما يفعلونه بمحكوميهم، وفي ظل خيارات كهذه فإنهم يفضلون العيش كرعايا لحكام يوفرون لهم لقمة العيش والأمن والاستقرار ولا يتطلعون إلى أية حقوق أخرى.

يتدخل المتقاعد الرابع بنرفزة: القطعان أيضا يوفر لها الرعاة العلف وزرائب تحميها ولكنهم يذبحونها عندما تقتضي مصلحتهم ذلك.

بدا أن ساعة غداء المتقاعدين قد أزفت فأخذوا ينهضون لدى سماعهم أذان الظهر وفجأة وقف أحدهم وهو يخاطب بعصبية من يمرون بجانبه قائلا: الحكام والنخبة هما الإفراز الحقيقي لهذه الشعوب وبالتالي فهي لا تستحق أكثر من هذا الحال التي هي عليه.

لم يرد عليه أحد وابتلعهم الشارع جميعا، أما أنا فقد قررت عدم مغادرة المكان قبل أن أعيد صياغة ما سمعته قبل أن يتسرب من ذاكرتي المثقوبة، بينما كان الشباب يمرون بجانبي مسرعين ليطلبوا قهوة المكياتة دون أن تستوقفهم عواجل الفضائيات العربية، لأنهم كانوا يهرولون نحو الشاشة الكبيرة خارج المقهى، والتي كانت تبث مباريات الدوري الأوروبي على مدار الساعة.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»