عشنا عقوداً من الهزائم والانكسارات، وعاصرنا الكثير من الحروب والثورات والانقلابات، وشهدنا وأبناء جيلنا بهجة الانتصارات ولوعة الخسارات، ودخلنا أفلاماً وقرأنا من الكتب ما يجعل العقل يفيض بالنقد واللاءات، وسافرنا حتى مللنا الفنادق واللغات، وكتبنا في الأدب والثقافة والسياسة حتى تعبنا من تلاطم الأفكار في غاياتها، واصطدمنا بأنظمة باعتنا وأخرى اشترتنا، وأنظمة تحكم باسم الديمقراطية وهي تفتح أقواس النصر في طريق شعوبها بالشعارات، لكن الطريق تنعرج -يا لحظ الشعوب- فتؤدي إلى السجون!
كانت محنة الإنسان أكبر من الأرض التي عاش عليها بلا معنى، فاقداً للأمان وتائهاً بين الأحلام.. غايته أن يعيش بعيداً عن نكد السُّلطة، لكن السُّلطة التي لا تنام كانت له دائماً بالمرصاد، في الليل والنهار، تحاسبه على مشاويره اليائسة في الصباح بين مصارف تفتقر للنقود، وشوارع من أوساخ تعلو البيوت.. وفي الليل تدعك قدميه بالفلقة لكي لا ينام.
هذا المواطن غير السعيد في الوطن غير السعيد، ليس سوى مجرد رقم في تعداد السُّكّان غير الدقيق، فسُكّان هذه البلاد الشاسعة بالألغام والأوهام، يتكاثرون ويتناقصون بحسب الأحوال الاجتماعية والاقتصادية والأمنية، فهناك من ترك البلاد وهاجر طوعاً بحثاً عن ذاته المفقودة، وآخرون مهجّرين قسرياً وقد فقدوا المال والبيوت.. وهناك من مات مريضاً فقيراً وحزيناً، وهناك آخرون ماتوا قتلى في ويلات الحروب الهمجية وفي بوابات الاستيقاف الوهمية وأحداث الخطف الليلية.. وهناك من يذرع الشوارع خافياً بلا عقل وبلا عائلة يحتمي بدفئها، بل ويقضي عليه الزمن في العراء بلا مأوى ولا قبر!
هذه البلاد المشنوقة من قدميها ما عادت تصلح للأمل، فقد ذهب الأمل مع الشمس التي غربت في يوم نكوص تاركة البارقة خلف الغيوم، والناس مثقلة بالأحزان والهموم.. ذلك الأمل ما عاد يصحو كما كان في تلك الأعوام الرشيقة من عمر البلاد، حين استبشرت الناس بالاستقلال وفتحت المذياع على مواسمها الثقافية، وأصدرت صحافتها بأقلام مثقفيها ومبدعيها فأضاءت العقل في مسيرة العطاء للوطن الذي رأيناه ذات أعوام يكبر فينا كما الأشجار التي أينعت في أرضها وأثمرت، وكما الحقول التي امتدت بالسنابل على مدى البصر تسابق ضوء الشمس.
لعلّ خيبة الأمل كانت في الإنسان الذي أحرق المحصول بسبب فأر اختبأ في الزرع، وهو ذاته الحريق الذي نشب في البلاد بسبب مجرم كان يسهل اصطياده دون خسائر.
في كل مرة كُنّا نعيد الخطأ ذاته فنصل إلى النتيجة ذاتها، ولم نجرِّب ولو مرة استخدام العقل على خلق البدائل دون تكرار المحاولة والوقوع في الخطأ ذاته.. وبهذا لم تكن نظرية أن التاريخ يعيد نفسه نظرية دقيقة في حياة الشعوب والمجتمعات؛ بل أنها كانت المهرب من العقلانية وتحميل الزمن أخطاء البشر.. ولذلك نحن أمة تعتمد باستمرار على نتائج أخطائها في تقدير الأمور، ولا تعتمد على إفعال لغة العقل في بلوغ الفكر والتفكير، وهو أساس الإبداع البشري في الحياة والذي بدون مفاعيله في الوجود، يذهب الطحين هباءً!
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات