Atwasat

أطياف عمر المختار

منصور بوشناف الخميس 10 أبريل 2025, 05:14 مساء
منصور بوشناف

بداية يناير من العام السادس والسبعين من القرن الماضي، وصل المتظاهرون من طلاب الجامعة إلى ضريح «عمر المختار» وسط بنغازي، كانت بنغازي وكعادتها مشتلا للتمرد على السلطات المتعاقبة، وكان ضريح عمر المختار النبع الذي ظل يروي بذار الرفض والثورات، فما إن يتجمع متظاهرون في أي زنقة أو شارع أو ميدان من بنغازي حتى يتوجهوا مباشرة إلى الضريح، ليتصدى لهم البوليس والأمن وحتى الجيش لمنعهم من الوصول والتجمع حول «سيدي عمر»، لكأن سيدي عمر ظل يقود التمرد عبر العهود المتعاقبة من تاريخ ليبيا الحديث.

طلاب الجامعة وبعد أن وصلوا إلى الضريح وتحلقوا حوله، رفعوا مطالبهم إلى جلالة ساكنه، إلى «سيدي عمر» لينطلقوا بعد ذلك إلى قصر الحاكم ويبدأ الاعتصام الذي فرقته الشرطة العسكرية والحرس الجمهوري.
سجل تمرد عمر المختار امتلأ حتى فاض، وانتقل من يد بوليس إلى بوليس آخر، ومن عهد لعهد، رغم تغير القوانين والسلطات الحاكمة، بالمختصر المفيد كما يقال، ظل «سيدي عمر» مقلقا لكل حكام ليبيا المستعمرين والوطنيين.

ضريح عمر المختار ببنغازي، ظل نصب الجندي المعروف وليس المجهول، ذاك الجندي الذي ظل يناهض القمع ويحارب من أجل الحرية، ظل قبلة للرافضين والمحتجين وظل «عمر المختار» زعيما للعصاة عبر تاريخ ليبيا الحديث بالنسبة لكل السلطات المتعاقبة.

كان أولاد وبنات الجامعة في تلك اللحظات من العام السادس والسبعين من القرن الماضي يرجمون عسكر الفاشست الوطنيين بالحجارة، قرب ضريح عمر المختار، وكان السيل قد بلغ زبى السلطات الوطنية من أولئك المحتجين العصاة ومن ذاك الضريح.

لم يكن بإمكان سلطات التحرر والاستقلال ومعاداة الاستعمار شنق «عمر المختار» ثانية، لذا شنقوا بعض من تكرر حجيج احتجاجهم إلى الضريح، شنقوا «عمر دبوب ومحمد بن سعود» اللذين ظلا يشاركان في مظاهرات العصاة في ستينيات القرن الماضي ثم في سبعينياته.

عمر المختار وضريحه ورغم كل الشعارات والأناشيد، كان لابد من نفيه بعيدا عن مدينة العصاة، «بنغازي» لذا جرى هدم الضريح، وجرى ترحيل عظام زعيم العصاة سبعينيات القرن الماضي كما جرى ترحيله من بنغازي محكوما بالإعدام إلى حين جرى شنقه حتى الموت.
بداية الألفية الثالثة كنت بالجبل الأخضر، ومررت بزاوية القصور حيث كان عمر المختار معلما للقرآن، كان مبنى الزاوية وبعد نصف قرن من الاستقلال وضجيج أناشيد الحرية ومعاداة الاستعمار، مدمرا، لكأن قوة دمرته على رؤوس طلابه انتقاما من الشيخ ومريدي دروسه ورفاقه المجاهدين.

من زاوية القصور المدمرة إلى «قرية ماميلي» كما سماها الطليان تخليدا لأحد قوادهم وبنوا فيها مركزا للبوليس ومركزا صحيا ومكاتب حكومية وسوقا قرويا والتي أعطاها الليبيون اسم «عمر المختار» تخليدا لسيدي عمر، وبنوا فيها أكواخا من الصفيح لمواطني دولة الاستقلال و دولة الحرية ومعاداة الاستعمار والاشتراكية، دون أن يضيفوا لما بناه الطليان لتخليد «ماميلي»، شيئا عدا الصفيح لتخليد «عمر المختار».
بعد إعدام «عمر المختار» على يد الفاشست الطليان، أصدر الشيخ الطاهر الزاوي وباسم مستعار كتابه «عمر المختار» وظل مصادرا وممنوعا من التداول طوال العهدين الوطنيين، ثم كتب عبد الله القويري مسرحيته «عمر المختار» لتصادر في العهد الوطني أيضا.

«جمعية عمر المختار» كانت رائدة في العمل السياسي الوطني، جرى حلها وتم وأد تجربة الأحزاب والعمل السياسي في البلاد مع فجر الاستقلال
العهود الليبية وسلطاتها المتعاقبة منذ الاستقلال وحتى الآن ظلت ترفع صورة عمر المختار كدليل على وطنيتها وثوريتها، ظلت تعلقه كوسام على صدور سياسييها وكرصيد على أوراق عملتها، ظل عمر المختار مشنوقا يتدلى كمناضل من أجل الحرية على تلك الأوراق وتلك الصدور، ممنوعا من التداول كرأسمال رمزي لمقاومة القمع الوطني لحكومات الاستقلال والثورة، هو فقط وسام لمعارك انتهت ويمنع استخدامه كملهم للمقاومة ضد العسف الوطني ومن أجل حرية وكرامة الإنسان.

يقول «جاك دريدا» في كتابه «أطياف ماركس» عن عودة الاهتمام بإرث ماركس الفكري في أوروبا وعلى لسان سلطاتها الفكرية والسياسية والاقتصادية، يقول «إننا نقبل بالعودة» لذاك الإرث «شريطة ألا يعود التمرد الذي أوحى بالعصيان والنقمة والثورة المسلحة والاندفاع الثوري».

الأوروبيون يفعلون بإرث ماركس كما فعلنا بإرث عمر المختار عبر ثوراتنا وشعاراتنا المتوارثة، وكما يفعل أخوتنا في العروبة بإرث الاستقلال والذود عن الحياض، وأخوتنا في الإسلام بإرث المقاومة والجهاد.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»