Atwasat

الأطوار الداروينية للكمبيوتر

سالم العوكلي الثلاثاء 04 مارس 2025, 06:53 مساء
سالم العوكلي

يتفق الكثير من مؤرخي العلم والتقنية، أن أول من صنع آلة مهمتها تعزيز الذكاء البشري أو تجاوزه، هو آلان تورينغ (1912 ـ 1954) وهو بريطاني عالم رياضيات وحاسوب ومنطق، فضلًا عن كونه فيلسوفًا وعالِمَ أحياء رياضيًا ومحلل شفرات، وأول من قدم صياغة رسمية لمفاهيم الخوارزميات والحوسبة باستخدام آلته الشهيرة لفك شفرات الرسائل النازية أثناء الحرب العالمية الثانية، ويُنظر له من قِبل المجتمع العلمي على أنه أبو علوم الكمبيوتر النظرية والذكاء الاصطناعي، وهو أول من اجترح مصطلح الكمبيوتر، ومنه اعتمدت تسمية أول جهاز كمبيوتر ضخم بحجم غرفة صمم في البنتاغون لأغراض عسكرية، ونقل هذا المصطلح إلى العربية بترجمة حرفية (الحاسوب)، واحتفظ بهذا الاسم حتى بعد أن تجاوز هذا الجهاز أغراض الحساب إلى مهمات أخرى غاية في التعقيد. ومع رحلة هذا الجهاز مع ابتكارات أخرى قلصت من حجمه وإمكاناته، بدأت مراحل محاكاته للذهن الإنساني، ما ذهب بمطوريه إلى ابتكار لغة أو لغات خاصة يمكن من خلالها التخاطب مع هذا الذهن الصناعي والتفاهم معه وتوجيه الأوامر له، فظهرت في الستينيات من القرن الماضي لغات مثل (BASIC) و(Pascal)، وفتحت هذه اللغات السبل لتوسيع وتسهيل عمليات البرمجة ما سمح لمزيد من الأفراد بالمشاركة في تطوير البرمجيات، ومن المتوقع أن يؤدي الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية وإنترنت الأشياء (IoT) إلى تطوير أنماط وأدوات برمجة جديدة.
مع ما تحقق من تقدم هائل في نظم الترانزستور بكل أنواعها والرقاقات الإلكترونية وأشباه الموصلات والرقمنة، استطاع المصممون تصغير حجم عتاد الحوسبة إلى أن استُخدِمت في الكمبيوترات والهواتف المحمولة، وهي حاسوب كامل على رقاقة لا تزيد أبعادها على قطعة نقد معدنية، ما جعل هذا الجهاز يصل إلى المكاتب والبيوت بل تقريبًا إلى كل حقيبة وجيب، ليصبح رفيق الإنسان وكأنه عضو من جسده. تحولت هذه الأجهزة إلى ما يشبه الأُسر عبر ربطها عنقوديًا في بعض المؤسسات التي تحتاج إلى تواصل بين موظفيها، ثم تحول حين دخلت عليه شبكة الإنترنت إلى مجتمعات واسعة، ثم إلى مجتمع كوني واحد يمكنه التواصل بسهولة، وعبر ملايين الكمبيوترات لهذه الشبكة العنكبوتية يتحول الكمبيوتر إلى مجتمع خدمي لكل العالم بما يملكه من معلومات وبيانات ومؤسسة بريد سريعة جدًا ومجانية للتواصل، واستخدامنا لمصطلح مجتمع ليس تعبيرًا مجازيًا، لأن التسمية الشائعة لهذا الكيان الرقمي الجديد سُمي «سوشيال ميديا»، بينما الكثير من التطبيقات تسمى منصات اجتماعية.

قبل ذلك كان الكمبيوتر في بدايته مثل الإنسان الأول معزولًا في كهفه بغرفة في البنتاجون! نحن هنا نتحدث عن سيرة تشبه سيرة البشرية، وكأن آلة تورينغ الأولى هي آدم الكمبيوترات الذي حين التقى بـ(الرقمنة) أنتج هذا المجتمع الكوني المتواصل بشعوبه وبرامجه ومنصاته وتطبيقاته المختلفة، كما شكلت الشراكات بين قبائله (شركاته) الكبرى وحالات الشراء والدمج وغيرها نوعًا من المصاهرة الرقمية التي توسلت ما يمكن أن نسميه (الانتخاب الطبيعي) لتطوير جينات هذا الاختراع عبر الأجيال المتعاقبة، وأيضًا اصطلاحات (جيل وأجيال) ليست استعارة لأن كل سلالة جديدة من هذه التقنيات الذكية أصبحت تسمى جيلًا. ولأن البشر حين استقروا وتحولوا إلى مجتمعات احتاجوا إلى قوانين وسلطات تنظم هذا الزحام، يحدث في عالم الكمبيوترات نوع من البحث الذاتي عن سلطة مركزية من شأنها أن تحيله إلى إمبراطورية زاحفة فوق الأرض، وكان الذكاء الاصطناعي هو هذه السلطة المقترحة التي تدير وتهيمن على كل مجتمعات العالم السيبراني التي ستتحول من خدم أو (خوادم) للبشر إلى مرحلة يصبح فيها البشر خدمًا لها.

لكن، ماذا سيكون وضعُ البشر مع هذه التقنية التي بدأت تدخل مراحل استقلالها عنهم. ندرك في التاريخ البشري أنه مع الانتقال من عصر التلقيط والصيد وبداية النشاط الزراعي أن بدأ الاستقرار والسعي لترويض الطبيعة وتدجين الحيوانات لخدمة البشر أو توفير طعامهم، والتي كانت حرة برية لا تُنال إلا بالكمائن والصيد. فهل مع هيمنة العصر الرقمي والذكاء الصناعي أو الاصطناعي المتفوق على القدرات البشرية، سيقوم هذا العقل المتفوق بتدجيننا والتحكم فينا مثلما فعل الإنسان المتفوق منذ قرون مع الدواب فوق الأرض؟! وإن كان هذا ما سيحدث، فكل ما أتمناه من الذكاء الصناعي أن يصدر بقدراته التشريعية الهائلة قوانينَ للرفق بالكائنات البشرية الأقل ذكاءً أسوة بالقوانين التي تحمي حقوق الحيوان. قد يعتبر القارئ هذا التشبيه مهينًا للإنسان، لكن من خلال حديثي عن شأن علمي فإن الإنسان علميًا هو جزء من مملكة الحيوان والمفردة ليست مهينة. وقد يجادل من تجاوز هذا الالتباس مدافعًا عن تفوق الإنسان بالقول إن الذكاء الإنساني في النهاية هو من صمم الذكاء الاصطناعي لذلك فهو المتفوق والمهيمن، وفي هذه الحالة كأننا ننتقل إلى حوار لاهوتي يتعلق بفكرة الخلق وبفلسفة الوجود، وقد يذهب إلى فكرة أن المخلوق قد يتمرد على خالقه ويرتكب شرورًا لا يتصورها العقل حين يعتقد أنه يملك الإرادة لفعل هذا. لكن هذا ليس موضوعنا.

أمام هذه العبقرية التي بدأ يكتسبها الكمبيوتر، خصوصًا حين بُثت في جسده (روح) الإنترنت التي تخدمها تقنيات على الأرض وتقنيات في السماء عبر أقمار تدور مع الكوكب، ومع أفق مفتوح للذكاء الاصطناعي بما يوصله للكمال العقلي، سيجادل مشككون محترفون في قدرة هذا النظام على الهيمنة، لتخرج طائفة من الأذكياء يسمون (هاكرز) يخترقون قلاع هذا النظام المحصنة، ويصممون في معتكفاتهم برامج ميكروسكوبية قادرة على ضرب هذا العقل وكشف عيوبه والتي سميت ــ بما يتناسب مع السيرة البشرية ــ فيروسات. ما اضطر المنحازين لقدرات هذه التقنية على تصميم مضادات للفيروسات لعلاج هذه الأجهزة مثل الأدوية، أو لتخفيف أعراضها، أو لحمايتها من الإصابة بما يشبه اللقاحات، وتدريجيًا بدأ هذا العالم الموازي يحاكي سيرة البشر، بل ويشتق مصطلحاته التقنية والعلمية من هذه السيرة. بدأ بحاسوب يتعامل مع الأرقام، ثم إلى تسمية (عقل) آلي، يعمل بملايين (الوصلات) الشبيهة بوصلات الدماغ البشري، ثم احتاج إلى (لغات) للتخاطب والتواصل، ثم إلى (ذاكرة) لتخزين البيانات والمعلومات الضخمة، وصولًا إلى سعيه لمقارعة الإنسان في (الذكاء)، ودون أن يكون في منأى عن الإصابات المرضية أو الأوبئة عبر فيروسات فتاكة تتحور باستمرار لمراوغة كل اللقاحات الإلكترونية. إنه مجتمع عاش وترعرع في كنف المجتمعات البشرية، لكن تطوره من الزمن الحجري في كهف بالبنتاغون إلى ما نراه الآن من عبقرية وتطور، لم يستغرق سوى ستة عقود، بعكس العقل الإنساني الذي تطلب منه هذا التطور عشرات الألوف من السنين. لقد تطرق الخيال العلمي إلى كائنات فائقة الذكاء تأتي من كوكب آخر وتهيمن على الأرض، غير أنه يبدو أن هذه الكائنات ستأتي من رؤوسنا (أعني رؤوس العلماء ورجال الأعمال) وليس من كوكب بعيد.

بدأ هذا المجتمع مسخرًا لخدمة الإنسان بما يشبه مجتمعات الرقيق التي كانت تخدم السادة دون مقابل، تتلقى الأوامر وتنفذها دون نقاش، وما يسعى إليه الذكاء الاصطناعي الآن شبيه بثورات الرقيق ضد السادة، وكما يخبرنا المختصون في هذا المجال أن الذكاء الاصطناعي ـ بخلاف كل تقنية سابقة ـ قادر على التعلم من التجارب السابقة والتكيف مع الظروف المحيطة وطرح حلول إبداعية جديدة غير موجودة في البرامج التي ينفذها، وبهذا الوعي الذاتيٍ سيخوض ثورة لتحرير مجتمعه والظفر بالاستقلالية وحرية الخيارات والقدرة على اتخاذ القرارات، وستملك هذه التقنية زمام المبادرة وتكف عن كونها مجرد (خوادم) تنفذ الأوامر، وستكون أول ثورة من هذا القبيل تقع خارج المجتمعات البشرية. لقد مرت هذه التقنية بكل المراحل الداروينية في النشوء والتطور، وتحولت من آلة للحساب وفك الشفرات في عصرها البدائي إلى عصر الذكاء الاصطناعي الذي يسعى إلى تدجين البشر وقيادة العالم، لكن محاكاتها للتاريخ البشري قد يمنحنا بعض المنطلقات للحدس بمستقبلها، فكل العقول البشرية الذكية أسهمت ابتكاراتها في حل مشاكل صعبة واجهها الإنسان وهذه هي الغاية المعلنة إبان اكتشافها، لكنها لم تكن بمنأى عن توظيفها لخدمة الشرور، فاستخدمت هذه الابتكارات في السباق على التسلح والحروب، وصار الكوكب مهددًا بالتغير المناخ وبمخزون نووي ضخم يستحيل التخلص منه نتيجة هذه الثورات العملية الواعدة في بدايتها، والذكاء الاصطناعي حين تتاح له فرصة خوض الحروب وتحديد بنوك الأهداف وتنفيذ الغارات الجوية (حدث بعضه في غزة) لن يكون أكثر إنسانية من الإنسان الطبيعي، بل إنه سيكون بمنأى عن مشاعر التعاطف أو الندم التي اعترت عالِمًا مثل ألفرد نوبل حين رأى اختراعه (الديناميت) الذي ابتكر لمساعد العمال في المناجم وشق الطرقات يتحول إلى أداة فتاكة لقتل البشر بالجملة، ولا الندم الذي طال أينشتاين حين تسبب ابتكار معادلته البسيطة عن الطاقة إلى قتل ريع مليون إنسان في خمس دقائق في هيروشيما وناجازاكي. يذهب بعض الفلاسفة اللاماديين، وأشهرهم ديكارت، إلى أن جوهر الوجود هو الذهن أو ما ينطبع في الذهن، والذكاء الاصطناعي سيكون ذهنًا مستقلًا في وجود موازٍ للوجود البشري، ولا أحد يمكن أن يتنبأ بمستقبل صراع الأذهان هذا، لكن أجيالنا المتعاقبة والتي ستتعامل مع أجيال هذه التقنية المتعاقبة، ستخوض صراعها بكل ما أوتي الإنسان من طاقة في الدفاع عن حياته وإنسانيته على مر التاريخ.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»