Atwasat

المصالحة والوتر الأخير!

ناصر الدعيسي الأحد 23 فبراير 2025, 07:21 مساء
ناصر الدعيسي

إن أي أمة تنشأ من خوض نضال واحد هي أمة توجد في صور من خصوبة ثقافية فذة.
«فرانز فانون. سيسيولوجية الثورة»

تظل المصالحة الوطنية في أي بلد محاولة لرأب الصدع بين أطراف سياسية اختلفت أو مجموعات مختلفة المشارب ترغب في الوصول للسلطة. وهي، أي المصالحة، حل سياسي يلجأ له الجميع حين تغلق أبواب المسارات السياسية الباحثة عن حل بينها. كما أنها عملية للتوافق الوطني. تتسم بالتسامح وجبر الضرر، والعفو كقيم للتسامح وإزالة آثار وصراعات الماضي من خلال آليات محددة ووفق مجموعة ميكانيزمات يتفق عليها الجميع وهي خطوات سبق لدول أن قامت بانتهاجها في تجاربها السياسية كالمغرب وجنوب أفريقيا وروندا وحتى الجزائر.

وترتهن المصالحة الوطنية لوعي سياسي وثقافة حوار اجتماعي، ومن أهم عناصرها الاعتراف بتعددية المصالح المجتمعية، والقراءة المعمقة للواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي، والتأهيل الفكري للحوار كمنطلق حضاري للحل القادم. كما أن المصالحة الوطنية هي خارطة طريق لتخليق مقاربات سياسية واجتماعية بين الأطراف المتخاصمة أو المتحاربة، وهي السعي المشترك نحو تفتيت التشظي في المشهد السياسي والذي يقف عثرة في مسار المصالحة الوطنية. ومن أدوارها المهمة هي مساهمتها في تصحيح ما ترتب من غبن ومآسٍ وأخطاء وانتهاكات وجرائم جسيمة في حقب الدولة العميقة والأنظمة الشمولية من خلال مشروع العدالة الانتقالية، وهي مسار قانوني خرجت به العديد من الشعوب من قضايا شائكة سياسيًا وحروب وانتفاضات شعبية. هذا وقد عرّفت الأمم المتحدة العدالة الانتقالية في إحاطاتها الدولية على أنها «مجموعة من القرارات التي يتخذها المجتمع والدولة استجابة لانتهاكات حقوق الإنسان الواسعة النطاق بهدف تحقيق الاعتراف بما تكبد من ضحايا وانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها حيث تطبق ثقافة المُساءلة بدلا من سياسة الإفلات من العقاب، وهو ما يعطي الإحساس بالأمان والاستقرار المجتمعي لقطاعات عديدة من المجتمع».

إن أي مصالحة وطنية تضع في أجندتها الرئيسة العدالة الانتقالية سوف تتجاوز عراقيل كثيرة في ملف المصالحة الوطنية، ناهيك عن أنها سوف تبعد فكرة الثأر الاجتماعي. والانتقام المقدس أحيانًا، وبهذه الخطوات الناجعة يمكنها محاصرة الفوضى التي يتبناها أولياء الدم طلبًا لحقوقهم ما لم يشعر هؤلاء بأن ضحاياهم لن تضيع حقوقهم وأن الجاني لن يفلت من العقاب. تقول د. كورا أندريوا الخبيرة الفرنسية في شؤون العدالة الانتقالية «إن العدالة الانتقالية لا يمكن أن تُحقق دون أن يكون للضحايا دور فاعل في إرساء الديمقراطية، وإنّ مفهوم العدالة الانتقالية هو جملة الآليات التي يعتمدها المجتمع للنظر إلى ماضيه وتحقيق العدالة إزاء الانتهاكات الحاصلة في مجال حقوق الإنسان» وهناك جانب حيوي كي تُنجز المصالحة مهمتها الوطنية، وهو الذين تواجدوا في النظام ولم يرتكبوا الجرائم، ولم تتلوث أيديهم بالدماء في ظل ذلك النظام الشمولي باعتبارهم جزءًا من النظام.

هؤلاء تتم حمايتهم من قبل القضاء ومؤسسات الدولة ذات العلاقة، والقضاء هو الذي يحاسب هؤلاء جميعًا كي تتحقق العدالة بعناصرها كافة. إن تكريس ثقافة الحوار وتحقيق الوئام الاجتماعي، وتوسيع مفهوم المصالحة الوطنية والعودة لمرجعيات وطنية حققت نجاحات سابقة في المصالحات، والابتعاد عن التنمر الاجتماعي والمغالبة والتشفي كل هذا سوف يجعل الطريق ممهدًا لمصالحة وطنية جادة.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»