Atwasat

ينابيع «الكواكبي»

يوسف القويري الخميس 20 فبراير 2025, 01:14 مساء
يوسف القويري

«مقال لم ينشر من قبل للكاتب الراحل يوسف القويري»

في الإمكان تصنيف الشيخ «عبد الرحمن الكواكبي» كعلم من أعلام الإصلاح في القرن التاسع عشر. وقد جاء كتابه الذائع «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد» خلال عصر زاخر بالتغيُّرات وثورات التحديث وأفكار التقدم وقت اشتداد السجال بين من ينعتون بالرجعيين والتقدميين. وكان «الكواكبي» مثل الإمام محمد عبده والشيخ علي عبد الرازق وقاسم أمين وغيرهم من المصلحين الاجتماعيين الذين طار صيتم وفكرهم إلى أرجاء المنطقة فأثارها. وكان أبرز ما يميزهم جميعاً ويكاد أن يكون ـ رغم القليل من الفروق بينهم ــ قاسماً مشتركاً لهم هو التصدى للجمود ويسميه الشيخ محمد عبده في إحدى عباراته «تحرير الفكر من التقليد» ويعني بعبارته تلك الاجتراز والتبعية العمياء.

و«عبد الرحمن الكواكبي» سوري الأصل هاجر إلى مصر وعاش في عاصمتها «القاهرة»، حيث نشر إنتاجه في جريدة «المؤيد» ثم استخلص من مقالاته المنشورة في جريدة «المؤيد» فصول كتابه «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد» سنة 1900.
وكان «الكواكبي» يجيد إجادة تامة للغة التركية واللغة الفارسية إضافة إلى لغته العربية. وقد أوصلته اللغة التركية بالذات إلى استيعاب دقيق لأفكار حزب تركيا الفتاة الذي قاده «كمال أتاتورك» ومجموعته التاريخية لكن «الكواكبي» ــ بنزعته الإصلاحية المغايرة للنزعة الثورية عن «أتاتورك»، انحصر مفهوم النهضة لديه في نزع الصولجان من العثمانيين وإعادة مركز الإمبراطورية إلى العرب كي تكون الخلافة عربية وعاصمتها على أرض عربية. ولم يتقدم «الكواكبي» إلى أبعد من ذلك، فهو لا يبدي أي اهتمام بتحليل الخلافة كنمط تقليدى مؤطر بأوصاف الدولة «الثيوقراطية» التي بلغت أوجها العالمي في القرون الوسطى حسب المنظور التقدمي في حين كان «أتاتورك» يستهدف ذلك النمط بالإزالة حتى يجري التحديث بيسر.

بيد أن «عبد الرحمن الكواكبي» ظل ملازماً للصواب طوال تحليله لمنشأ الاستبداد وأحواله المتباينة والمزرية، وقد ندد بعواقب الجمود والاكتفاء بتدريس المعارف الدينية فقط دون اعتناء بتعليم العلوم الدنيوية كالهندسة والرياضيات والفيزياء والطب والكيمياء. وعند هذه النقطة يتبدى تأثير الشيخ «الطهطاوي» مؤلف كتاب «تخليص الإبريز في تلخيص باريز».
أما الأسس التي تناولها «عبدالرحمن الكواكبي» كعلامات للنهضة فلم تأت مقترنة بسبر نمط الخلافة وقاعدته الاقتصادية المختلفة، ولم يعط «الكواكبي» أي إشارات أو تنبيهات للتفوق التكنولوجي في الغرب وبالتالي أهمية الاستفادة منهم وهذا وجه من وجوه التباين بينه وبين الطهطاوي.
وحول طبائع الاستبداد التي أجاد «الكواكبي» إيرادها تفصيلاً نفى أن يكون الاستبداد مصاحباً للدولة البدوية ما دامت الرعية عشائر يقطنون البادية، وليس هذا بمستغرب من «الكواكبي» لأنه هو نفسه بدوي وإن كان غير مقيم في البادية.
وقد ألمح الكواكبي إلى نشأة البدوي الاستقلالية بطبيعتها المنافحة للحكم المطلق.
ويعد الكاتب الإيطالي «فكتور ألفيري» أحد الينابيع التي نهل منها الكواكبي وأثرت تأثيراً بالغاً في آرائه.

وكانت أفكار «فكتور ألفيري» في القرن الثامن عشر من التاريخ الميلادي متاحة للكواكبي بنزعتها الراديكالية وذلك عن طريق اللغة التركية التي يمتلك زمامها الكواكبي.
وتذكر المصادر الموثوقة أن الخديوي «عباس» حاكم مصر أحاط الكواكبي برعايته وحمايته، وفي ذلك الوقت كان السلطان عبد الحميد على سدة الحكم العثماني في الأستانة.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»