Atwasat

خيارات مشروع ترامب: تهجير حماس أو تهجير الفلسطينيين

صالح السنوسي الإثنين 17 فبراير 2025, 02:24 مساء
صالح السنوسي

لا يبدو أن الرئيس الأميركي ترامب مجنون أو تاجر فقط لا يرى شيئًا خارج السوق، كما يتصوره البعض أو الكثيرون، عندما يفاجئ العالم بتصريحات صادمة عن تهجير الفلسطينيين من غزة وتوطينهم في بعض البلدان العربية ثم شراء القطاع لإقامة مشروع استثماري أميركي والسماح لإسرائيل بضم الضفة الغربية، ولكن كل ما يقوله الرئيس ترامب ويتبناه لا يخرج – في ظني- عن سياق عقلانية يراها البعض ولا سيما الضعفاء، جنونًا مطلقًا خارجا عن كل الحدود ويجب تجنب ويلاته وشره، وهذا بالضبط هو النتيجة والأثر الذي يريد ترامب إيقاعهما في نفسية الآخرين والعرب تحديدًا معتمدًا على جملة من الحقائق منها:

1- قوة الولايات المتحدة وجبروتها ولا سيما في مواجهة الكيانات العربية المتشرذمة.
2- عجز واستسلام العرب حكامًا ونخبة والغالبية العظمى من الشعوب.
3- اعتماد معظم الحكام العرب إن لم يكونوا جميعهم على الضمانة الأميركية في استمرارهم كرعاة كل منهم يمارس نفوذًا على قطعة من الأرض وقطيع من البشر.
4- قوة إسرائيل المستمدة من القدرات والجبروت الأميركي واستعدادها الدائم للقيام بدورها الوظيفي في المنطقة دون أية ضوابط أو حدود أو خشية من أي ردة فعل عربي.

كل هذه الحقائق تعطي قدرًا كبيرًا من المصداقية لكل تهديد أو قول يصدر عن الرئيس الأميركي، غير أن الشرق الأوسط لا توجد فيه الكيانات العربية وحكامها فقط؛ بل توجد فيه أيضًا قوى إقليمية لها مصالحها وطموحاتها الى جانب قوى دولية لها مصالحها واستراتيجياتها التي تزاحم المصالح والاستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط وفي مناطق أخرى من العالم، ولهذا فإن إطلاق العنان لإسرائيل لشن حرب مستمرة دون هوادة وضوابط يخلق حالة غير مسبوقة من الخراب والفوضى والإذلال تدفع الى نشوء حالات تمرد داخل الكيانات العربية وتخلق بيئة مواتية للتطرف في مواجهة التطرف الإسرائيلي الخارج عن كل الحدود.

فتنمو قوى وتنظيمات مسلحة لا يهمها ما ينتج عن مقاومتها من المزيد من الخراب والدمار ولا تخشى على ضياع سلطة أو نفوذ وستجد حتمًا في وسط هذا المشهد الكارثي العون من قوى إقليمية ودولية تقتضي مصالحها إغراق الولايات المتحدة في مستنقع يستنزف قوتها وليست فيه هزيمة ولا نصر.

لا شك أن الرئيس الأميركي ومن حوله يدركون إمكانية حدوث هذا الاحتمال السيئ الذي بإمكان الولايات المتحدة تجنبه دون التفريط في مصالحها واستراتيجيتها ولا في نصر إسرائيل، ولهذا فإن الرئيس ترامب انطلاقًا من الحقائق الأربع التي ذكرناها والتي تضفي على أقواله قدرًا كبيرًا من المصداقية، يحاول استثمار هذه المصداقية لتحقيق عدد من الأهداف وتجنب حدوث ذلك الاحتمال من خلال تبنى خطاب يعتمد على ما يسمى دبلوماسيًا أسلوب الصدمة.

وهو الخروج عن كل الاحتمالات التي تدور في أذهان الأطراف الأخرى وتجاوز كل ما كان يعتبره الطرف الآخر خطوطًا حمراء ولا يمكن التفكير فيها أو الاقتراب منها، وهذا من شأنه أن يصيب الطرف الآخر خصوصًا إذا كان ضعيفًا بالدهشة والارتباك، فتسقط وتتغير منظومة الأولويات التي كان يستعد للتفاوض حولها على ضوء تلك الاحتمالات والخطوط الحمراء التي سقطت فجأة وتم تجاوزها.

ولكن علينا أن لا نغفل حقيقة أن الرئيس الأميركي لا يمارس هذه اللعبة مع أطراف تعتبر نفسها ندًا له كالصين وروسيا؛ وإنما يمارسها مع أطراف عربية ضعيفة وعاجزة فاقدة للثقة في نفسها وفي بعضها البعض؛ بل معظمها يدين في بقائها في سدة الحكم لفضل الحماية الأميركية، ومن هنا نستبعد أن لا تكون هذه الأطراف قد أحيطت علمًا بما يريده الرئيس ترامب كبديل عن تنفيذ تهديداته، التي ربما فاجأت الشعوب وليس الأنظمة السياسية.

لعل الرئيس الأميركي باختياره لهذا الأسلوب يريد تجنب احتمال عودة الحرب وتحقيق جملة من الأهداف لمصلحة الولايات المتحدة وإسرائيل وبعضها فيه مصلحة للحكام العرب أيضا، ويمكن لنا أن نجتهد دون ضمانة عدم الوقوع في بعض الأخطاء في تصور هذه الأهداف التي من أهمها:

1- ضمان وترسيخ ما حققته إسرائيل وظهورها كمنتصر لقن الجميع درسًا في الثأر والعقاب الجهنمي الذي سيبقى في ذاكرة كل من يحاول مستقبلًا التفكير أو التجرؤ على فعل ما قامت به حماس في السابع من أكتوبر العام 2023.

2- وضع حماس والفلسطينيين والعرب أمام خيارين فقط:

أولهما: تدمير قطاع غزة بالكامل والقضاء على حماس وتهجير من يتبقى حيًا من سكان القطاع إلى الدول العربية وإلى جهات الأرض الأربع قسرًا وضم الضفة الغربية إلى إسرائيل بعد تدمير أجزاء منها وتهجير كل من يقاوم الضم واعتراف الولايات المتحدة بهذا الضم على غرار اعترافها بالجولان.

ثاني هذين الخيارين: إخراج حماس بقياداتها وكوادرها ومقاتليها من قطاع غزة وقبولهم في بلد عربي على غرار خروج منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت مع فارق الظروف ومشاهد السيناريو، وفي مقابل ذلك يبقى سكان غزة ويوضع القطاع تحت إدارة مشتركة دولية وعربية مع قيام العرب بإعادة الإعمار، أما ما يتبقى من الضفة الغربية بعد المستوطنات فيوضع تحت إدارة ذاتية فلسطينية لا تحمل صفة سلطة سياسية بدلا من ضمها رسميًا.

3- قبول الدول العربية ولا سيما السعودية بالتطبيع دون اشتراط حل الدولتين كشرط مسبق.

لقد قرن ترامب هذا المشروع بدعوة موجهة الى الحكومات العربية لتقديم تصور بديل وهذا – على ما يبدو – هو المخرج الذي قد يكون متفقًا عليه لتنفيذ الخيار الثاني الذي من ناحية يشمل تحقيق كل الأهداف المعقولة للولايات المتحدة وإسرائيل ويجنب الدول العربية مأزق هجرة سكان غزة وتظهر فيه بأنها انتصرت بإسقاط الخيار الأول الكارثي.

بناء على هذا التصور من المتوقع أن تصدر القمة العربية المقبلة قرارات ترفض تهجير سكان غزة وتتعهد بإعمار غزة إذا التزمت إسرائيل بعدم العودة إلى الحرب وفي مقابل ذلك خروج حماس قيادات وكوادر ومقاتلين من القطاع لتجنيب شعبهم نكبة يتضاءل معها هول نكبة 1948.

من المتوقع بعد هذه القمة أن تمارس الدول العربية حملات وضغوطا على حماس من أجل القبول بالخروج من القطاع وفقًا للكيفية التي تشترطها إسرائيل والولايات المتحدة وذلك لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من غزة وشعبها، فإن قبلت حماس بذلك يكون الرئيس ترامب قد حقق لإسرائيل أحد أهم أهدافها دون العودة إلى الحرب وأراح الأنظمة السياسية العربية من صداع حماس، وإن رفضت فإن هذه الحكومات ستعلن إبراء ذمتها وإخلاء مسؤوليتها عما يصير إليه مصير شعب غزة بسبب تعنت حماس وتشبثها بالسلطة وخضوعها للأجندة الإيرانية.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»