ظلّت الرواية في منجزها التاريخي تراثًا خالدًا في حياة الشعوب ومكوِّنًا أساسيًا للأدب السردي الإنساني الذي أنتج الكثير من الأعمال التراثية كـ«كليلة ودمنة» والاستلهامات المتوارثة من حكايات وقصص «ألف ليلة وليلة»، إلى خالدة جورج أورويل الدستوبيّة «مزرعة الحيوانات»، إلى خالدات الأدب الروسي في روايات دوستويفسكي وتولستوي وقصص تشيخوف، وخالدات الأدب الفرنسي في روايات فيكتور هيجو والبير كامو وإميل زولا، إلى القطب الروائي اللاتيني في أعمال الكولومبي ماركيز والبرازيلي جورجي أمادو.. وغيرهم من نحّاتي الكلمة الخالدة التي ظلّت شاهدة على إبداعهم الإنساني في زمن التحوّلات السردية، وكأنهم جاءوا إلى الدنيا لإنجاز هذا الهدف الأدبي في الوجود وليغادروها بأثر اللغة والخيال كما فعلت عبقريات الكائن الروسي الخرافي «ميخائيل شولوخوف» الذي أدهشنا بمجلّدات روايته المستحيلة «الدون الهادئ»، والفرنسي «مارسيل بروست» بروايته «البحث عن الزمن المفقود» الواقعة في سبعة مجلّدات سميكة من السرد الدلالي، في مقابل الرواية القصيرة «ربيع أسود» للأميركي «هنري ميللر».
عن «السرد» كمصطلح نقدي حديث يقول «د. عز الدين إسماعيل» في كتابه (الأدب وفنونه) إنه نقل الحادثة من صورتها الواقعية إلى صورتها اللغوية. ويُعدُّ مصطلح السرديّة (Narratology) مصطلحًا حديثًا نسبيًا، دخل دائرة الاستخدام في فرنسا تحت تأثير البُنيوية، حيث يُشير إلى الدراسة النظرية وتحليل السرد. ويُعدّ «تزفيتان تودوروف» هو مَنْ ابتكر هذا المصطلح عام 1959 بعد أن شكّله من كلمة (narrative logy) أي سرد وعِلم ليحصل على مصطلح عِلم السرد أو السردية، على أنه العِلم الذي يُعنى بمظاهر الخطاب السردي أسلوبًا وبناءً ودلالة، ويُحيل السرد بوصفه المادّة الأولية لهذا العِلم على أنه «نظام لغوي يحمل حادثة أو سلسلة من الحوادث على سبيل التخييل» وهو فن تنظيم هذه المحمولات بوصفها شكلًا فنيًا منتظمًا بعلاقات وقواعد وأبنية داخلية تنظِّم عمل السرد، وذلك انطلاقًا من جذره العربي الذي يعني «التنظيم» وصولًا إلى المفاهيم الحديثة. وتُعنى السردية باستنباط القواعد الداخلية للأجناس الأدبية، واستخراج النُظم التي تحكمها وتوجّه أبنيتها، وتحدِّد خصائصها وسماتها، ووُصِفتْ بأنها نظام نظري، غُذّي، وخصِّب، بالبحث التجريبي.
وتبحث السردية في مكوِّنات البنية السردية للخطاب من راوٍ ومروي ومروي له، ولمّا كانت بنية الخطاب السردي نسيجًا قوامه تفاعل تلك المكوِّنات، أمكن التأكيد أن السردية، هي المبحث النقدي الذي يُعنى بمظاهر الخطاب السردي، أسلوبًا وبناءً ودلالة. والعناية الكلية بأوجه الخطاب السردي، أفضت إلى بروز تيّارين رئيسين في السردية، أولهما: السردية الدلالية التي تعنى بمضمون الأفعال السردية، دونما اهتمام بالسرد الذي يكوّنها، إنما بالمنطق الذي يحكُم تعاقب تلك الأفعال، ويمثِّل هذا التيارَ: بروب، وبريمون، وغريماس. وثانيهما: السردية اللسانية التي تعنى بالمظاهر اللغوية للخطاب، وما ينطوي عليه من رواةٍ، وأساليب سرد، ورؤى، وعلاقاتٍ تربط الراوي بالمروي. ويمثِّل هذا التيار، عدد من الباحثين، من بينهم: بارت، وتودوروف، وجنيت. وشهد تاريخ السردية محاولة للتوفيق بين منطلقات هذين التيّارين، إذ سعى غاتمان وبرنس إلى الإفادة من معطيات السردية في تيّاريها: الدلالي واللساني، والعمل على دراسة الخطاب السردي بصورته الكلية، فيما اتّجه اهتمام برنس إلى مفهوم التلقّي الداخلي في البنية السردية من خلال عنايته بمكوِّن المروي له، اتّجه اهتمام غاتمان إلى البنية السردية عامة، فدرس السرد بوصفه وسيلة لإنتاج الأفعال السردية، وبحث في تلك الأفعال بوصفها مكوِّنات متداخلة من الحوادث والوقائع والشخصيّات التي تنطوي على معنى. وعدّ السرد نوعًا من وسائل التعبير، في حين عدّ المروي محتوى ذلك التعبير، ودرسهما بوصفهما مظهريْن متلازميْن من المظاهر التي لا يتكوَّن أي خطاب سردي من دونهما.
في الأعمال الجادّة تظل اللغة عاملًا جوهريًا لبلوغ السرد الدلالي، ويعتمد البناء الروائي على اللغة باعتبارها متنًا يتشكّل في داخل النصّ، وليس أداة توصيل لنمط فكرة عارية، وعلى هذا يرى الباحث المصري «د. جبار ماجد البهادلي» أنّ اللّغة بوصفها مقياسًا أساسيًا مهمًّا ومباشرا ًفي كيفية التمييز بين لغة الشّعر ولغة النثر، تقتضي من السّارد المنتج في فنيّة التعبير اللّغوي والجمالي أن يتجاوز -بخطوات وئيدة ثابتة- مرحلة التعبير التقليدية إلى مرحلة كيفية التعبير الفكري الفنّي عن مدلولات الأشياء الحسّية والمجرّدة في الإبداع والكشف عن أنساقها ومرجعياتها الثقافية الظاهرة والمضمرة. ويضيف «البهادلي» حين نتحدّث عن اللّغة في الأدب عامةً، وفي فن التسريد النثري بصفةٍ خاصة يقينًا أنّنا نعني بها اللّغة المعرفية في خصائصها الفنّية العميقة في مدلولاتها المعجمية والبلاغية القريبة والبعيدة، والغنية بألفاظها وجمالها وثراء طاقاتها الإيحائية والصوتية والسيميائية المؤثّرة، والتي تشكّل حمولات الكتابة الإبداعية في مدخلاتها النصّية، ومخرجاتها التراسلية النصّية لدى الكاتب في فنيّة مجالات التعبير، سواء أكانت على مستوى التركيب اللّغوي اللّفظي أم على مستوى التأثير النفسي والجمالي الذي تحدثه اللغة في بنية الخطاب السّردي الذي يؤسّس لتأثيث مشروع فكري جديد في هرمنيوطيقيا السّرد الإنتاجي والتأويلي لفنيّة التعبير، ويلغي الأنساق التالفة.
بناءً على هذا التأسيس الفكري الذي تحتفل به أبجديات اللّغة الحديثة في معطياتها وآفاقها الثقافية والمعرفية الواسعة، كونها تمثّل المادة الأساسية للأدب والشعر الإبداعيينِ، فإنّ التيمة الموضوعية أو الفكرة المتوخّاة، لا تعدّ قائمةً أو موجودةً في مجسّات الرسالة النصّية، إلّا إذا اخترت اللّفظ المناسب في مدلولاتها السياقية المنتظمة. وهنا يُحوّل السّارد البارع وظيفة اللّغة الأساسية من وظيفة ثابتة تقليدية، إلى وظيفة حركية تجدّدية، أي يُصيّرُ بناءها التوظيفي من أداةٍ أو وسيلة للتعبير اللّغوي اللّساني إلى وسيلة إنتاجية مبتكرة للإبداع الفنّي المتجدّد. كما أنها لا تعطي إشاراتٍ حقيقية عن رؤية الإنسان الفنيّة في جماليات الخطاب السّردي، ولا تُعبّر عن فلسفته الفكرية في حيِّز وجوده الكوني بالحياة إلّا إذا كانت مرآةً عاكسةً للحقيقة نابضةً بالحياة، متدفقة ً بروح العصر وتجلياته المرحلية، حينئذٍ تكون لغةً سرديةً نثريةً حقّةً. والسارد الحاذق المبدع المجدّ بأدوات لغته التعبيرية، هو الذي يرصد بدقةٍ الألفاظ الرصينة، وينتشل الكلمات المعبّرة العميقة من فضاء معجمها اللّغوي القياسي المعرفي ويستلّها كلمةً كلمةً.
يَعتبر «أدونيس» الكتابة «سؤال لا جواب» وبهذا كان يدعو لاستبدال «مقولة الفهم بمقولة التأمُّل».. فالشاعر الذي كان يكتب ما يعرفه من المعاني أصبح مؤسسًا لمعانٍ هي «نتاج الكتابة». وتقف الكتابة، بعد ذلك، عن أن تكون خاضعة لبداية معلومة ونهاية معلومة. وإذا كانت الكتابة قد تخلّت عن أسبقية المعنى فإن القراءة بدورها، وهي تسلك سبيل التأمُّل، ترى إلى القصيدة في فضائها لا في خطّيتها.
أمّا في الرواية بحسب رؤية الكاتبة العُمانية «عائشة الدرمكي» فلم تكن تلك المقاربات النقدية متوفِّرة إلّا في بعض البحوث التحليلية التي حاولت تفكيك النصّ الروائي لسبر مكوناته وأغواره، منها على سبيل المثال كتاب «في نظرية الرواية.. بحث في تقنيات السرد» لعبد الملك مرتاض، و«تقنيات الفن القصصي عبر الراوي والحاكي» لأحمد درويش، و«تقنيات السرد الروائي في ضوء المنهج البنيوي» ليمنى العيد، و«بين صوتين.. فنيّات كتابة الحوار الروائي» لبثينة العيسى وغيرها، وهي محاولات تقترب من التحليل أكثر منها إلى منهجية الكتابة السردية من الناحية الإجرائية، التي يمكن الاعتماد عليها في تدريب المبدعين المبتدئين والناشئة. ومن تلك المحاولات كان كتاب «منهج الكتابة الإبداعية.. كيف تكتب قصة قصيرة أو رواية» للكاتب والروائي طالب الرفاعي، الذي يُعد أحد أهم الكُتب العربية التي تتأسّس وفق علاقة الكتابة الإبداعية بالكاتب، باعتبارها فنًا قادرًا على إنشاء سياقات تواصلية ليس على مستوى جدّية النصّ وحسب، بل أيضًا على مستوى خلق نصٍّ جديد تجريبي بمستويات بنائية قادرة على الولوج عبر الأزمنة، إلى أشكال سردية تفتح مجالات تأويلية تعكس الفكر الحديث الذي ينطلق منه الأدب.
من المهم تقويم تجربة الكتابة الراهنة بمرجعيّات التراث السردي الغني بعوالمه الإنسانية الممتدّة بين الشعوب والحضارات، وألا تهمل الحداثة بمعناها التأصيلي، لتكون تجربة ما بعد الحداثة امتدادًا لعطاء إنساني واحد، وتلك هي قيمة السرد الذي لا يخرج بتفاعله اللغوي عن مضمونه الإنساني.
أمام هذه الظاهرة من الكمِّ الهائلِ من الإنتاج الروائي الحديث، نجد لزومًا مراجعة مستويات خطاب السرد العربي عمومًا، من منظور حداثي ونقد التجربة في سياقاتها البنيوية لمعرفة جيناتها الأصيلة في التراث السردي العالمي، فالمجازفة بتجربة إبداعية بلا ساقيْن تنتهي حتمًا إلى زوال، وبالتالي تندثر كما أي ظاهرة غير طبيعية حاولت النمو في بيئة مختلفة فأصابها الذبول.. إن الكتابة صنيعة إبداع الذّات ولا يمكن صقلها من خارج رحمها الجيني ومعدنها الكلامي الأصيل، وإحالتها إلى سردية دلالية قوامها اللغة.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات