اكتسبت القصعة حضورها عندي في العام الخامس والستين من القرن الماضي حين عنون بها الكاتب الكبير والصديق العزيز عبد الله القويري قصته المنشورة بإحدى مجموعتيه «قطعة من الخبز» و«الفرصة والقناص»، وكانتا موضوع إحدى مقارباتي النقدية التي طالما دأبتُ على نشرها في المجلات والصحف كالإذاعة والروَّاد الشهريتين والميدان التي تصدر مرتين بالأسبوع إلى أن أوقفها نظام سبتمبر، إنها المقاربات التي أثارت الكثير من النقاش التحريري والشفوي، بل وحققت من الحضور ما تداخل بين الخلاف والاستعداء ولا سيما بعد أن قرنها بعضنا باللقاءات اليومية، وما نتج عنها من المواقف المؤثرة والدافعة لما يشبه التجمع بين بقية المجايلين في مجال الرأي، حتى إن هناك من خلط بين المنافسة والوقيعة.
وقد كان أشهرها ما نُشِرَ بجريدة العَلَم التي سُميت بها طرابلس الغرب شأنها شأن الأمة التي أُطلِقت على برقة الجديدة والبلاد التي أُطلِقَت على فزان، ففي ذلك المقال التاريخي الذي ذكر فيه كاتبه ما شكّلَ تطوعًا بتسمية الهوية السياسية على هيئة إثبات.
بل اتهام شملَ من كانوا مكلفين بشيء من التسيير كعبد الحميد المجراب وأحمد إبراهيم الفقيه ولطفي عبد اللطيف صاحب ديوان الصفيح، وكان عنوان المقال فصول من الجد الهازل، وقد علمت من المرحوم محمد مصطفى رمضان قبل سبتمبر 69 بقليل أنه كان وراء نشره، ومن جهة أخرى فقد كان موضوع مكاشفة بين من جمعهم السجن المركزي إثر خطاب زوارة من بينهم السادة عامر الدغيس وعمر حبيل وعمرو النامي، حيث لم يخف الأخير أسفه في الخصوص مما دعاني إلى عدم الإشارة إليه عندما سردت أحداث المرحلة في الجزء الثاني لمسارب، لولا أن فوجئت بالمقال منشورًا في كتابٍ لعدم تفطّن جامع آثار الفقيد بأن مردود عدم النشر أفضل.
لقد كان للقصعة ولقاءات بعض المجايلين حول القصعة الإناء والقصعة القصة حضورها الدال في التجمع وتبادل الرأي وتحديد المواقف الجمعية على أكثر من مستوى ليجد من الرصد ما جلب الهيبة وشيئًا من الغيرة. نعم لقد كانت القصعة في موطن نشأتي وعندما يحدث لها العطب الذي يمنعها من أداء مهمتها في الطعام تُوهَب لصانعي الطبول لاستعمالها في إحياء حفلات الزواج مما جعل الجدة الكبرى والخالة التي عَمّرَت بعدها يحتفظن بقصعة الجد الذي رحل بثلاثينيات القرن الماضي.
فأُصِرُ على حملها والاحتفاظ بها مع ثوب الحرير الذي صانته أكبر الجدات لارتدائه في فرح الخال الذي استُشْهِدَ قبل أن يتزوج آملا أن أهدي له ما أُفلِح في نشره ذات يوم مما يليق بتاريخه واعتزازي بخؤولته التي ورّثتنا عدم المبالغة وتجنب التهافت على من امتلك القرار فأسرفنا في المدح أو من تكلف الإبداع فخرجنا كثيرًا عن المألوف أو بالغنا في التنكر لما قدمنا، مدركين أن من أدق ما حمل الفكر الإنساني ما ترجمه محمد عيتاني من الكتب التي اقتنيناها شراءً وتخلينا عنها كرهًا، وظلت بوعينا قاعدة شديدة الوضوح «فليس إدراك الناس هو الذي يحدد معيشتهم، بل على العكس من ذلك، إن معيشتهم هي التي تحدد إدراكهم».
وإلا فما رأينا الشاشات الممولة لا تخلو ليلة من الليالي وهي تزدحم بالوجوه المألوفة وهي تتمترس دفاعًا عمّن سدد الفواتير وتبخيسًا لما يأتي به خصمه ولو كان حمدًا لله وشكرًا.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات