Atwasat

لعبة الأيام

سالم الكبتي الأربعاء 15 يناير 2025, 04:28 مساء
سالم الكبتي

تتكئ الأيام على الأعوام. وخلف سياجهما المذهل تلوح أطياف وظلال كالعادة. الزمن يدور ويتحرك ويفعل فعله ويترك أثره بقوة. الأيام لعبة تمضي وتتحرك ثانية ثم تمضي وتبتعد، غير أن الأثر يبقى قويا. نسيانه لا يدوم. ربما النسيان آفة تعتري لحظات التاريخ. ربما يحدث انفصام أو انقطاع.. ربما. لكن لعبة الأيام تتوهج وتدور. يا لعبة الأيام.. قالتها وردة ذات يوم بعيد في شجن. واللعبة في كل الأحوال تستمر وتدوم.

في الستين الماضيات من الأعوام والأيام كان العالم يصنع في الجحيم.. في الحزن رغم ساعات الابتسام المنكسرة فوق الأرصفة. الستينيات في القرن الذي مضى كانت تسرع باتجاه نهايات ذلك القرن لتبدأ مرحلة الألفيات. وتلك السنوات وبلعبة الأيام كانت في الوقت ذاته مدخلا للعبات أخرى.. لمباريات ساخنة. إنها تمهيد لزمن جديد.

مطلع الستينيات البعيدة ظل حلم الحرية والاستقلال في أعماق المقهورين والعبيد. حريتهم سقوا غراسها بالدماء الحمراء. دماء غزيرة تفجرت مثل أنهار ولم تتوقف. نضال على نضال ولم تتكسر خلاله النصال. وظلت الجراح العميقة دلالة على معاني التضحية. حركات التحرر نهضت وتعملقت وواجهت المصير. كان هناك حلم بشمس أخرى وأنهار جديدة وعالم حديث وعلاقات تتأسس على القيم والمثل. العالم شرع ينتفض بلا هوادة في وجوه الظلم والجور والذل. مناضلون ومكافحون في الجبال والصحاري. بنادق وعزوم وثورات. مظاهرات في المدن. الفلاسفة والفنانون والمثقفون والأغاني لا تتوقف. ترصد النضال. كان طريقه طويلا جدا. لعبة الأيام اقتضت ضرورته.

في أفريقيا مع بداية الستينيات كرت السبحة بعد ليبيريا وأثيوبيا وليبيا وغانا في سنوات غدت قبل ذلك. تناثرت حبات الخرز الملون وفرحت حقول الأناناس والكاكاو. وقرعت الطبول.. تم تم.. أفريقيا نغم. تشاد والصومال وغينيا والنيجر ونيجيريا والكاميرون وملاوي. فيما ظلت العنصرية البيضاء وإيان سميت وحكومته في جنوب القارة يترصدون البؤساء ويمنعونهم من حق تقرير المصير والعالم أيضا يتفرج عبر لعبة الأيام. عقلاؤه فقط ينظرون إلى واقعه في حزن يعقر الأعماق. وتلك لعبة الأيام..

في الكونغو جرت لعبة الأيام أحيانا كثيرة عكس الاتجاه. الريح كانت عقيما على وجه مؤلم. الطغاة يتربصون بالرجال. يقيدون خطواتهم ويمنعونهم من الحراك والتنفس. حجة الطغاة أسطوانة معادة.. لا يتحملون حرية الرجال واستقلال الأوطان. الطغاة خط فاصل ما بين الانعتاق والإذلال. الطغاة لوحة موحشة في صفحات لعبة الأيام والتاريخ. أصبح الكونغو الغني جدا بالثروات يحتوي على حكومات ثلاث تدير أموره أو تتنازعها بمعنى آخر. حكومة لومومبا. وحكومة كازا فوفو. وحكومة موبوتو.

الخارج في لعبة الأيام يغذي الصراع والفتن في قلب الكونغو الحزين. البلجيك القدامى. المخابرات الأمريكية والمرتزقة المحاربون القدامى. المحاربون بأجر. الذين يؤجرون بنادقهم بالساعة مثل العاهرات. وتشومبي الأضحوكة تحركه تلك اللعبة مع لعبة الأيام ويكون سببا مباشرا في قتل لومومبا في فبراير 1961.

ويتداعى مزيد من الحزن. يظهر المزيد من الرجال والرواد والثوار. تستقل الجزائر بعد معاناة زادت عن القرن. الجبهة والجيش وكثير من الخلاف. وينهض العديدون بالرسالة. هنا وهناك. عبر الأنهار والأشجار والمستنقعات. المدافع والطائرات. حقول الموت في فيتنام. أمريكا تلعب لعبة الأيام. تطل بوجه قبيح في قلب العالم. كانت تردد بأنها زعيمة العالم الحر.

حرب يقال بأنها باردة مع الروس. التجسس والصراع على القمر وليس على الأرض فقط. ولعبة الأيام تزيد من صلابة الرجال.. جيفارا. مارثن لوثر كنج. مانديلا. والعديد العديد. آسيا وأفريقيا تواجهان مصيرهما. والحزن يعقر الأيام بالكثير. العار الأسود يجلل خطوات تلك الأيام. وتظل التهم جاهزة.. الشيوعية ولا شيء سواها. كان الطغاة أصحاب الشر يدوسون القيم ويؤججون الفتن. ظاهرة تطلع من لعبة الأيام وسط الحزن والهموم. منظمة فتح في مطلع 1965 تطلق أولى صلياتها. لم ينجح الشقيري في تحرير فلسطين بالترافع والكلام وقصائد الشعر.

كوهين يلعب لعبته مع الأيام في دمشق ويصل إلى أعلى مخادع السلطة. ضحك على أمين الحافظ.. الرئيس والقائد. ثم علق على المشنقة في ساحة المرجه. إسرائيل تذكرته منذ شهر وهي في الواقع لم تنسه.. طالبت باستلام رفاته. الطغاة يصنعون في الجحيم ويغسلون قذاراتهم عند الأنهار وفوق أرصفة المقاهي. ولعبة الأيام عندنا تنسى وتهمل ولا تتذكر إلا في اللحظات الفاصلة المنتهية. عند انتهاء الدرس لدى التلاميذ الأغبياء. صنعة التاريخ ولعبة الأيام لا نعرفها تماما ولا نعطيها حق قدرها.

اللعبة تدور مثل أرجوحة ونحن نبرم معها. والزمن يشيلنا ويحطنا.. ويحط من كرامتنا وعزتنا.. كالعادة. سنوات فيها دروس مع الكثير من الإجهاد والتعب والقلق والنتائج دائما صفر مدور.
في عشرينية القرن الذي مضى قبل الستينيات بأربعين عاما ولد في الرباط المهدي أحمد بن بركة أبن بياع السكر والشاي والشموع في إحدى حارات المدينة. معلم ومثقف ومناضل ستلعب به الأيام وتقهره في حزن. من قادة الاستقلال في المغرب. معلم الرياضيات المشهور. تلميذه الأمير الحسن بن محمد الخامس. صار ملكا فيما بعد. وكذا عبد الرحمن اليوسفي زعيم المعارضة. بن بركة وعلال الفاسي وحزب الاستقلال والخلافات تنفتح وتنشق. يؤسس بن بركة الاتحاد الوطني للقوى الشعبية. يتحرك ويعارض ويناضل. في عام 1958 وصل إلينا في طبرق. قابل الملك إدريس مع ممثلين لتونس والمغرب.

كان همه تأسيس نواة لاتحاد يضم دول المغرب الكبير. لم يتحقق الحلم. نشط الرجل في النضال.. في القاهرة. ظل قائدا للمعارضة في الخارج. نال شهرة عالمية في الكفاح والوقوف مع المستضعفين. حمته القاهرة لاجئا وتعقبه الجواسيس خلالها. النضال يجد صدى لدى المثقفين والطلاب والهتافات تعلو وترتفع. كان الطلبة في العالم أصحاب ثورة ورسالة. عززوا من نضال الرجال والرواد.

الحركات الطلابية انتهت مثل فقاعات الصابون. ذلك زمن ولى. تلك لعبة الأيام انهارت وتوارت في الخلف.. في الأقاصي وراء الليل والنهار. الزمن ليس زمن نضال. إنه زمن الحنين إلى النضال لا غيره. الألفية تجود بالمزيد من القهر المختلف. الإبادة والمسح والطمس والعدوان والزلازل وتغيير الحدود والضم.. هكذا في وضح النهار وسيكون هناك الكثير بالطبع. إنها لعبة الأيام أيها الحاج الذي يستمع ويرى القنوات ويشعل سيجارته الواحدة والعشرين.

أحداث تتداعى في لعبة الأيام. بن بركة يجهز وينسق مع العديد لمؤتمر القارات الثلاث في هافانا المقرر أن ينعقد في يناير 1966. لم يقع انعقاده في الجزائر في يونيو 1965. كانت جاهزة للانعقاد في قصر الصنوبر. يدخل بومدين وبوتفليقة رفاق الأمس إلى قصر الشعب. في إحدى الحجرات بن بلة. ينقل إلى جوف الصحراء بعيدا. تزوره أمه ثم تموت. تزوره زهراء الصحفية وتتزوجه داخل السجن. السجون بعد النضال حزن لا يتوقف وقهر يتمدد في جوف المنفى والصحراء.

اندونيسيا تتحرك. قلق على قلق. الرواد يواجهون لعبة الأيام. الدوائر السرية تلعب لعبتها مع الأيام. في التاسع والعشرين من أكتوبر 1965. منذ ستين مضت إلى الخلف وراء الظلام. وسط باريس عاصمة النور والحرية. يختطف بركة. تغيب معالم الجريمة. جريمة بلا جثة. ديجول يصاب بالإحراج. الحكومة في الجمعية الوطنية تغلق أذنيها وتناقش موضوع تحديد النسل. تنهض الإكسبريس بالمسؤولية.

الصحافة الحرة تفضح وتندد. محاكمات تنتهي إلى لا شيء. الاستخبارات الفرنسية مع مخابرات بلاد بن بركة مع الموساد الذي مازال يلعب ويضرب بقوة مع الاستخبارات المركزية. العمليات القذرة لا تتوقف وتظهر بصور مماثلة في هذه الأيام على الدوام. ما قبلها وما بعدها. لعبة الاستخبارات الخفية.

تضيع فيها معالم الجرائم. يختفي الرجال. تغلق أبواب النضالات ويقولون أن العالم حر ومتساوٍ وأنت أيها الحاج العب بشواربك وتفرج على القنوات.. والحرية. بن بركة.. اختطف وقتل.. والحقيقة ما تزال غائبة في لعبة الأيام!!



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»