إنكم بالتأكيد قطعا تتفقون معي على أنه لحوض البحر الأبيض المتوسط أهمية بالغة للعالم كافة، فمنه انتشرت الديانات السماوية، فأثرت في العالم كله، وفيه قامت تجمعات إنسانية أسست لمعظم حضارات العالم، ولا حاجة لنا لبرهنة هذه الحقائق.
وما انتقيت هذا المدخل إلا لإبراز أمر بالتأكيد تعرفونه، ولكن - قد - لم تنتبهوا لأهميته، أو لأكون أكثر إنصافا لكم، يتعين أن أقول إنني أنا الذي لم ينتبه إليه إلا مؤخرا، وهو أن الغذاء التقليدي لسكان هذا الحوض العظيم، مثلما تقول منظمة الصحة العالمية، هو دليل على ثقافة متوارثة تُبرز حسن الذوق والاختيار، ومثال جدير بأن يحتذى. وتقول أيضا: «لو اتبعت غالبية دول العالم نظاما مماثلا، فسيكون لذلك تأثير رئيسي في تخفيف الإصابات ليس بداء السرطان فحسب، ولكن بأمراض القلب والأوعية الدموية كذلك».
الأبحاث الطبية تقول إنه بالإمكان تخفيض الأمراض القاتلة عن طريق تغيير بسيط في تناول أنواع الغذاء، فالأمراض القاتلة -السرطان والقلب- اصطلح على تسميتها «أمراض الترف»، لأنها ترتبط بأطباق شعوب الغرب الغنية بالدهن والسعرات الحرارية، ولكنها فقيرة في الخضراوات والألياف، وهي العناصر المتوافرة في غذاء شعوب البحر المتوسط من العرب واليونانيين والإيطاليين، الذين ركزوا على ثلاثة أنواع أساسية، هي: الحبوب والزيتون والعنب، وأضافوا لها الخضراوات النية، والبقول، والفاكهة، والثوم والبصل، والسمك، والزبادي.
ولعله من المفيد أن نشير إلى أن غذاءنا، نحن الليبيين، قبل الترف في وجباتنا اليومية قبل تصدير أول شحنة نفط سنة 1962، وعلى سبيل المثال في تلك السنة كنت أحد موظفي مصلحة المنافع العامة، وكنت ضمن نحو عشرة، أو أكثر، من كتبة فواتير الكهرباء والمياه، وكنا نتحلق حول منضدة كبيرة تتوسط صالة فسيحة، وكان كل فرد منا يحرر فواتير شارع كامل من شوارع بنغازي. وعند الساعة العاشرة، يعد من عليه الدور صحن «الشرمولة»، وهي لمن لا يعرف خليط الطماطم مع زيت الزيتون والبصل والثوم، مع أرغفة خبز القمح أو الشعير، أو خليطهما!
قد تكون هذه الوجبة هي إفطار العديد من الليبيين. لكن بعد الثراء، ابتداءً من إصدار الدولة الليبية أمرا بمضاعفة الرواتب، وكان ذلك خلال السنة التي أشرت إليها، أصبح حينها راتبي أربعة عشر جنيها ليبيا، ممهورة بصورة الملك إدريس - رحمه الله، فتسببت هذه الثروة يوم قبضها في مشكلة عائلية أساسها كيف تنفق؟ وكانت، أيضا، سببا في إضافة علبة تونة أو سردين إلى صحن «الشرمولة»! وأحيانا فتح علبة «بولبيف» إلى جانب «الشرمولة»، وقد تكون تلك بداية انحراف الليبيين عن أطباق المتوسط الصحية!؟
في اليونان نفسها، اكتشف طبيبان يونانيان اختصاصيان في أمراض القلب، من خلال تجربة واستنتاج أجرياها على مجموعة من القرويين في جزيرتي «كريت» و«كورفو»، غذاؤهم التقليدي بحسب ما بينا، فكانت النتائج أن معدل وفياتهم بالسكتة القلبية والدماغية قليلة للغاية، بينما وجداها مرتفعة في أثينا العاصمة وروما، والأمر نفسه انسحب على أمراض الجهاز الهضمي.
ولا يزال غذاء التجمعات البشرية في أي مكان بالعالم، الذي أساسه الطبيعة دون تدخل الإنسان بمبتكراته لتحسين مذاق الغذاء، هو الأفضل صحيا والبعيد عن أمراض عصور الرخاء، وتدخل الإنسان في الطبيعة. ولعل الكثيرين منا ما زالوا يتذكرون قضية جنون البقر، الذي خلق مشكلة في لحوم العالم، ولم يتوصلوا لمعرفة أسباب ما حدث جراء استهلاكهم هذه اللحوم إلا بعد تأكدهم أن السبب كان إضافة السردين المجفف المطحون لعلف الأبقار، لكونه بروتينا، ولم يخطر ببالهم أنهم تدخلوا في طبيعة غذاء الأبقار المعتمد بالكامل على المنتجات الزراعية، وليس الحيوانية!
فدعونا نعود لـ«الشرمولة» و«الحرويسة»، وأيضا «الطورشي» الليبي، الذي لا يعرفه من أجيال ليبيا من بعد ستينيات القرن الماضي، وهو مسلوق «البكيوا»، التي تسمى في مصر «القرع العسلي»، مع الثوم والكراوية وزيت الزيتون! ويؤكل مع خبز القمح أو الشعير أو خليطهما! وإني على يقين أن أبنائي قبل أحفادي لا يعرفون ما هو «طورشي البكيوا».
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات