تتبع الدكتورة ماجدة عمارة في كتابها «المتكلم والفيلسوف والأصولي: مسارات في الفكر التشريعي الإسلامي»* التعارضات والتقاطعات التشريعية والفكرية في هذا المجال بين الغزالي، باعتباره عالم كلام، وابن رشد، من حيث هو فيلسوف، والشاطبي بوصفه فقيهًا.
وقبل أن نمضي في تسليط الضوء على الكتاب نود التطرق إلى إيضاح الفرق بين علم الكلام والفلسفة، وبالتالي بين المتكلم والفيلسوف. فعلم الكلام هو ما يطلق عليه في الغرب اللاهوت Theology الذي ينطلق في أطروحاته وآرائه ومجادلاته من مسلَّمات دينية يعللها ويؤولها ويحاول البرهنة على صحتها، في حين تبدأ الفلسفة في تناول موضوعاتها من مقدمات عقلية ومنطقية محضة.
تتعامل الدكتورة ماجدة في تناولها لدراستها الفكرية الفلسفية المقارنة، بغاية الدقة والتمعن والتمحيص والنباهة، فتحدد المفاهيم بدقة وتصوغ جملها بعناية وتكثيف وتتروى في استنتاجاتها وأحكامها، وفي هذا الصدد يختم الدكتور عمار علي حسن تقديمه للكتاب بالقول «إننا أمام كتاب غاية في الأهمية، لا سيما في زماننا هذا، الذي نسعى فيه إلى إصلاح ديني طال انتظاره والذي تعد القراءة العقلانية والحرة للتراث، لا سيما في جوانبه التشريعية، أحد [كذا] طرائقه المتعددة».
وفي السطور التالية نكتفي بالتفاتة سريعة إلى نقطة نعتبرها الأبرز في موضوع الكتاب، وهي تلك المتعلقة بالصلة بين فلسفة ابن رشد وفقه الشاطبي.
معروف أن ابن رشد ينتهج نهجًا عقليًا أو عقلانيًا في معالجاته الفلسفية، أي من خلال الاعتماد على العقل، ويحدد وظيفة العقل على النحو التالي «... والعقل ليس هو شيء أكثر من إدراكه الموجودات بأسبابها. فمن رفع الأسباب فقد رفع العقل».
وهنا تتساءل المؤلفة عن علاقة الإمام الشاطبي بالعقل وموقفه من الوظيفة التي حددها له ابن رشد وهي «إدراكه الموجودات بأسبابها». وتستخلص نقاط ارتكاز التعليل العقلي لدى الشاطبي من نص أوردته على الغرار التالي:
«الأدلة الشرعية لا تنافي قضايا العقول، والدليل على ذلك من وجوه:
1-أن الأدلة إنما نصبت في الشريعة لتتلقاها عقول المكلفين، حتى يعملوا بمقتضاها من الدخول تحت أحكام التكليف، ولو نافتها لم تتلقها، فضلا عن أن تعمل بمقتضاها.
2- أنها لو نافتها لكان التكليف بمقتضاها تكليفًا بما لا يطاق، وذلك من جهة التكليف بتصديق ما لا يصدقه العقل ولا يتصوره.
3- أن مورد التكليف هو العقل، وذلك ثابت قطعًا بالاستقراء التام.
4- أن الاستقراء دل على جريانها على مقتضى العقول، بحيث تصدقها العقول الراجحة، وتنقاد لها طائعة أو كارهة.
5- كونها جارية على مقتضى العقول، لا أن العقول حاكمة عليها، ولا محسنة فيها ولا مقبحة».
وترى المؤلفة أن تعليل الإمام الشاطبي هنا هو ما تسميه في بحثها هذا «عقلنة التكليف» و أن ما يدعوه الشاطبي «التكليف بمقتضى العقول» هو نفسه ما طرحه ابن رشد حول الصلة بين الحكمة والشريعة، بحيث يبدو الشاطبي هنا كما لو كان يستدل على دعوى ابن رشد حول ما بين الحكمة (الفلسفة) والشريعة من اتصال، إلا أن الشاطبي هنا يحدد ما بين الشريعة والعقل نفسه من اتصال.
* د. ماجدة عمار. المتكلم والفيلسوف والأصولي: مسارات في الفكر التشريعي الإسلامي. الهيئة المصرية العامة للكتاب. سلسلة دراسات إنسانية. 2018.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات