Atwasat

أمثال شعبية بحمولة سلبية

صالح الحاراتي الإثنين 30 ديسمبر 2024, 02:11 مساء
صالح الحاراتي

الموروث الشعبي يتضمن العديد من العادات والتقاليد والفنون المحلية، والحرف اليدوية والطعام والأمثال والشعر الشعبي.. إلخ. والأمثال الشعبية والأقوال المأثورة تمثل مكونًا مهمًا من الموروث الشعبي، حيث ما زالت بيئتنا تشهد احتفاء وتبجيلًا لـ«الشفهي» حتى الآن وذلك من خلال الخطابة والشعر والحكايات والأمثال الشعبية.. وتكمن أهمية الأمثال الشعبية في أن العقل الجمعي يتلقاها بقبول كبير لأنه يعتقد أن بها الكثير من الحكمة والرأي السديد ويراها واجبة الاقتداء والسير على هداها، ولعل ذلك أمر مقبول في بعض الحالات بينما أرى أنه من الضروري والمهم أن يكون قبولنا به مع شيء من التحفظ لأن بعضها به «حمولة سلبية» يفترض ألا نأخذ بها بل وجب مخالفتها والتمرد عليها، ولعل ذلك ما دفعني إلى محاولة وضع بعضها تحت مجهر التمحيص لنتبين حقيقتها.

هناك على الدوام صراع، علني أو خفي، بين تكريس الأمر الواقع أو النضال ضده، سواء أكان هذا يدور في الوعي أو اللاوعي، وفي الحقيقة أن كل سلطة قاهرة تقوم على حماية ومعاقبة كل من ينتهك ما تدعيه، وتبذل جهدًا في تمرير أقوال مأثورة وكأنها عين العقل والحكمة من أجل استمرار وجودها.

من الأقوال المأثورة والتي صارت مثلًا تتناقله الناس وكأنه حكمة بالغة «طبّس تخطاك» ومعناه.. انحنِ لكي تتفادى ما قد يصيبك أو ما ألقي تجاهك ليؤذيك.. هذا المعنى الظاهري يبدو نصيحة لكي تتفادى الأذى.. ولكن غالبًا ما يستعمل لدفعك إلى أن تنحني وتخضع لكي لا تتسبب في مشاكل قد تحدث لك إذا لم تفعل.. ولعل هذا يشابه القول المشهور بالانحناء أمام العاصفة كي تأمن شرها.. ولكني ألاحظ في استخدامه عندنا كنصيحة لكل من ينتقد السلطة أو يعارضها ولذا فإني أراها دعوة للخنوع والخضوع للأمر الواقع.. والخنوع هو الذل، كأن نقول عاش فلان خنوعًا أي عاش ذليلًا.

أما الخضوع فهو تقبل الشيء وبكامل الإرادة، فالخنوع إرادي، والخضوع قسري. الخنوع ذاتي أو خاصية نفسية دنيئة، أما الخضوع فهو خارج وجبري في أغلب الأحيان.. ولكي يتم إقناعك بالخنوع يقولون لك إن العاصفة حين تأتي لا تستطيع كسر أشجار الورد رغم رقتها وضعفها، لأنها تنحني معها إلى أن تمر فتعود واقفة، والسؤال هنا: إلى متى يستمر حال هذا الطقس الذي تلفه الرياح دائمًا وأبدًا.. لقد أصبحت ظهورنا مقوسة، أما آن الأوان لهذه الريح أن تستريح وتغادر المشهد كي نتنفس هواءً نقيًا ولا نحتاج عندها إلى الانحناء والخضوع؟
وفي نفس السياق تستحضر ذاكرتي مثلًا آخر قرينًا لما سبق يقول: «اخطى راسي وقُص» وهو مثل سلبي ينم عن الأنانية المفرطة وكأنه يقول اترك رأسي واقطع بقية الرؤوس.

أما «اللي ما يدير شيء ما يجيه شي» فهذا مثل آخر يمثل دعوة صريحة للجمود والسلبية والاستكانة متوافقًا مع مثل آخر في نفس السياق «امشي جنب الحيط وقول الحال حال الله»، وهو تجسيد حقيقي للتواكل والهروب من تحمل المسؤولية.

وأخيرًا نأتي إلى القول الفصل في مسالة السلبية والإذعان وعدم المبادرة من خلال المثل الذي يقول: «اللي ما يدخل ايديه ف مغاغير ما يلدغنه العقارب» وللمثل صياغة أخرى حسب لهجة كل منطقة، وأختم باستحضار النموذج المثالي الصارخ الذي يعبر عن قمة القبول بالأمر الواقع والاستكانة له بل يقدم مبررًا للتملق و«التطبيل» للحاكم أو المسؤول متمثلًا في «اللي يتزوج امي نقوله يا سيدي».



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»