يبدأ نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية بديباجة مهمة، تنطلق من غصة تاريخية تتعلق بجرائم كبرى فلتت من العقاب، ولم تسعف ضحاياها القوانين الدولية، ولا منظمة الأمم المتحدة ومجلس أمنها، ولا محكمة العدل الدولية، ومما يرد في هذه الديباجة المتقنة: «هي منظمة دولية دائمة، تسعى إلى وضع حد للثقافة العالمية المتمثلة في الإفلات من العقوبة، وهي ثقافة قد يكون فيها تقديم شخص ما إلى العدالة لقتله شخصًا واحدًا أسهل من تقديمه لها لقتله مئة ألف شخص مثلًا، فالمحكمة الجنائية الدولية هي أول هيئة قضائية دولية تحظى بولاية عالمية، وبزمن غير محدد، لمحاكمة مجرمي الحرب ومرتكبي الفظائع بحق الإنسانية وجرائم إبادة الجنس البشري».
ويقتصر اختصاص المحكمة؛ التي تأسست عام 2002 بموجب ميثاق روما الموقَّع عام 1998، على أشد الجرائم خطورة موضع اهتمام المجتمع الدولي بأسره، والفارق بينها وبين محكمة العدل الدولية، كون الثانية تحكم في النزاعات القانونية بين الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة، بينما المحكمة الجنائية الدولية لا يتعلق عملها بالدول ولكن بملاحقة الأفراد، وإصدار مذكرات اعتقال بحقهم حين تتوفر أدلة على ارتكابهم إحدى الجرائم المنصوص عليها في قانونها الأساسي: جريمة الإبادة الجماعية، الجرائم ضد الإنسانية، جرائم الحرب، جريمة العدوان (في غزة ارتكب الكيان الصهيوني كل هذه الجرائم على مرأى العالم). ومثل محكمة العدل يمكن للمحكمة الجنائية الفصل في مظلوميات الدول التي لا تملك عضوية في الأمم المتحدة بناء على موافقة مجلس الأمن، ورغم الضغوط الدولية والتهديدات بعقوبات من قبل الدول الكبرى (الديمقراطية وغير الديمقراطية) تم في العام 2015 قبول الأراضي الفلسطينية كدولة عضو في المحكمة الجنائية الدولية، ليصبح عدد أعضائها 124 دولة، أما الدول التي تعرف أن تاريخها لا يمضي إلا بالجرائم المنصوص عليها فلم تنضم إليها ولم توقع على بروتوكولها احترازًا.
أصدرت المحكمة 12 مذكرة اعتقال حتى الآن، كان آخرها ثلاث مذكرات اعتقال بحق بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي، ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت، ومحمد ضيف المسؤول العسكري لحماس، بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، ويُضاف رئيس الوزراء الصهيوني نتنياهو إلى قائمة رؤساء الدول الذين تم إصدار مذكرات اعتقال بسبب جرائم ارتكبوها منصوص عليها في قانون المحكمة الأساسي: سلوبودان ميلوسوفيتش. صربيا، لوران غباغبو. ساحل العاج، عمر حسن البشير. السودان، معمر القذافي. ليبيا، فلاديمير بوتين، روسيا، ويليام روتو. كينيا. وسيكون نتنياهو أول رئيس لدولة تدعي الديمقراطية تطلبه المحكمة، وقد رحبت الدولة العظمي، أميركا، بكل مذكرات الاعتقال، ما عدا مذكرتي اعتقال رئيس وزراء الكيان الصهيوني ووزير دفاعه، رغم أن الباقين تُعد جرائمهم جُنحًا مقارنة بجرائم نتنياهو وجالانت التي ما زالت مستمرة في غزة والضفة ولبنان، ويتابعها العالم كله على الشاشات، وهي أول حرب إبادة تنقل مباشرة على وسائل الإعلام والمنصات الرقمية.
وبهذا القرار الشجاع تُتوج كل احتجاجات الضمير الإنساني في كل بقاع الأرض، أولئك المهمشون الذين انحازوا للحق الفلسطيني في وجه طغاة العصر في الدول المتبجحة بالديمقراطية وحقوق الإنسان الذين يبررون قتل أكثر من 20 ألف طفل وتجويع البقية بحجة دفاع الفاشية الصهيونية عن مواطنيها (المسلحين) والغاصبين لأرض ليست أرضهم، وفي اللحظة نفسها التي أصدر فيها البيت الأبيض بيانًا ناريًا يعارض هذه المذكرات، «نرفض بشكل قاطع مذكرة الاعتقال الصادرة ضد نتنياهو وغالانت».
في اللحظة نفسها كان الطيران الصهيوني الأميركي الصنع يقصف بصواريخ وقنابل أميركية مخيمًا في غزة ويقتل العشرات من المدنيين الأبرياء النازحين في أرضهم، وكأن هذه المجزرة خلفية من المؤثرات البصرية والسمعية لبيان البيت الأبيض الذي يتعارض مع كل القيم التي بحجتها غزت أميركا دولًا أخرى وارتكبت فيها جرائم يستحق مرتكبوها مذكرات اعتقال.
بعد صدور المذكرات، صرح نتنياهو المصدوم بأن المحكمة الجنائية تنحاز إلى الإرهابيين ومحور الشر، وفي تصريحه كل التناقض، لأنها لو كانت المحكمة تنحاز فعلًا للإرهابيين ومحور الشر ما كانت أصدرت هذه المذكرات، فالعالم المنصف كله يعرف أن الكيان الصهيوني ويمينه المتشدد هو الإرهاب بعينه وهو محور الشر، أما موقف البيت الأبيض؛ الذي أصبح أحد مكاتب السلطة الصهيونية، ليس غريبًا ولا مفاجئًا ولا متناقضا مع تراث هذه المنظومة وتاريخها الذي تشكلت عبره، فهي لا تركز إلا على هجوم السابع من أكتوبر وتوقفت عنده، ولم تفكر فيما حدث من مجازر متتالية للفلسطينيين قبل هذا التاريخ ومنذ النكبة، ولا ترى ما حدث بعده من عقاب جماعي يملك كل سمات حرب الإبادة، فالولايات المتحدة، من ناحية، ولِدت على أنقاض أمة سابقة أبادتها، ومن ناحية أخرى يشكل الانتقام والعقاب الجماعي لب عقيدتها في التعامل مع الآخرين، وهي العقيدة التي وثقت لها أفلام الغرب الأميركي، حيث من حق البطل أن ينتقم ممن أذاه ولو بخدش عبر قتل لا يتوقف لكل من يمت له بصلة وعبر تدمير قريته بالكامل، بل إن الانتقام أحيانا يذهب حتى لغير المذنب كما فعلت مع العراق بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، حيث العراق لا صلة له مطلقًا بهذه الأحداث.
وهذه العقيدة الأميركية التي تمثلها مؤسساتها تغدو ثقافة، أو الثقافة المتمثلة في الإفلات من العقوبة، كما ورد في ديباجة نظام روما الأساسي. وتتشابه المنظومتان، أيضًا، في كونهما تسوسان شعوبًا مسلحة، حيث يدعون بجرائمهم أنهم يحمون دولهم التي يتكفل فيها كل مواطن بحماية نفسه بسلاحه المخبأ تحت الوسادة، بينما ساسته فتكوا بشعوب مسالمة لا أسلحة تحت وسائدهم.
مثل هذه الوقائع هي المحك الأساس لكل ما تتشدق به هذه الأمم من قيم بحجتها تضرب في كل مكان، ومحك هذه الديمقراطيات التي مهمتها أن توصل رؤساء إلى السلطة عقيدتهم الحرب ثم الحرب، حيث الحرب هي الضمانة الوحيدة ليكون اقتصادها مهيمنًا ودولارها عملة العالم، وأي تفكير في السلام يعني انهيار اقتصادها، ودون أن تشن حروبا لن يبقى من هذا الحلم الأميركي شيء، والحلم الأميركي ظل على مر تاريخها كابوسًا للأمم الأخرى، ولكل ذلك لم نستغرب طقوس الستريبتيز التي يقيمها البيت الأبيض عند كل محك حقيقي، فيتحول فجأة كمقر من مقرات الرايخ الذي يبارك كل إبادة لأجناس لا تستحق الحياة بالنسبة لهم.
ربما لن تنفذ هذه المذكرات في مدى منظور كما حدث سابقًا مع بعض المجرمين، لكن إصدارها هو المهم وله معنى، فالمجرم حتى لو لم يقبض عليه سيعيش خوفًا دائمًا وتتحدد حركته وتضيق به الدنيا، كما أنه من المهم أن ينضم هذان الفاشيان إلى قائمة الطغاة والمجرمين الذين أصدرت في حقهم المحكمة مذكرات اعتقال، وهي قائمة عار مصير من يدخلها مزبلة التاريخ، وقد ثمّن خبراء في القانون الدولي هذا القرار التاريخي الذي يكرس الثقة في حيادية هذه المحكمة المُوقِّع على نظامها أكثر من ثلثي دول العالم، كما أفاد بعض الخبراء بالعمل على تجهيز مذكرات اعتقال أخرى بحق شخصيات إسرائيلية شاركت في هذه الجرائم بمجرد اكتمال إجراءات الادعاء ضدهم، أما المنتقدون لمذكرات الاعتقال فيبررون ذلك بكونها تساوي بين (دولة إسرائيل الديمقراطية) والمنظمات الإرهابية.
وبغض النظر عن وجهة النظر الخبيثة هذه، إلا أن المذكرات لم تنطلق من هذا الصراع الفوقي، ولا يعنيها النظام المجرم ما إذا كان ديمقراطيًا أو ديكتاتوريًا، ولكنها صدرت من خلال قتل 43 ألف مدني في غزة وحدها، ثلثاهم من النساء والأطفال، وتهجير وتجويع الملايين الأحياء وحرمانهم من مقومات العيش، وإذا كان قتل أكثر من 20 ألف طفل لا يستدعي إصدار مذكرة اعتقال فلتذهب كل العدالة إلى الجحيم، فلو أن كل دولة في التاريخ، تعرضت لما تعرضت له (دولة إسرائيل) يوم السابع من أكتوبر.
خاضت حرب إبادة وتدمير شامل لفنت البشرية منذ زمن طويل. وهذا المعيار السخيف هو ما جعل بايدن يبارك ويرحب بمذكرة اعتقال بوتين ويشيد بعدالة المحكمة الجنائية ويعترض بحدة على مذكرة اعتقال المجرمين الصهاينة ويصفه بالعمل الشائن، رغم أن ضحايا الإرهاب الصهيوني في غزة الصغيرة وأعمال التدمير الممنهج أضعاف أضعاف ما حدث في حرب أوكرانيا خلال ثلاث سنوات، ولكن بالنسبة لبايدن ولكل من تبعه، أطفال أوكرانيا (الأوربيون) الشُّقر لا يقارنون بأطفال غزة السُّمر، وبالنسبة له إرهاب الصهاينة مقدس، وكل مقاومة في وجهه إرهاب مدنس.
وحتى لو لم تنفذ هذه المذكرات فإن للتاريخ وحتميته تقنيات عدالته التي لا تخطئ، وهي العدالة التي عبرها استقلت ثلثا دول الأمم المتحدة، وبواسطتها تحولت مشاريع استيطان الغزاة إلى معالم متهالكة في الدولة المستقلة، تذكرنا بهذه الحتمية التي لولاها لتحول الكون إلى جحيم.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات