Atwasat

حتى متى هذا الصمت الرهيب؟

فرج أبوخروبة الأحد 13 أكتوبر 2024, 11:43 صباحا
فرج أبوخروبة

بسخرية الأقدار أصبحنا قومًا بلا حراك ولا إرادة!!

نؤمن بالقدر في ظل نوازل زماننا ونتماهى مع عبثه وسذاجته بروح اللامبالاة، وكأننا سلمنا أمرنا لمن أراد ذبحنا بسكينٍ بارد، على مقصلة الموت، تحت طائلة الشعارات الخادعة، والأهداف الرنانة، والكلمات البراقة التي تطفو على السطح.. لتجعل من أصحابها أبطالًا ورجالًا لهم القدرة على جذبنا لشطحاتهم ومعسول كلامهم، حتى صرنا نقدسهم ونجري ونلهث وراء سرابهم الذي لا قيمة ووجود له، هم الثورة والحماس والقدوة والإلهام في غفلة منا…

إننا نعيش في فراغ وخواء حقيقيين بل إننا عطشى في صحراء قاحلة بعيدة حيث لا ماء ولا زرع ولا مأوى ولا سبل للعيش والحياة..

ومن صرخة موجوع رضخ مستسلمًا طائعًا لوخزات الزمن ومسلماته.. ونكران الجاحدين من أولياء أمورنا، الذين نُذَكرهم، (فإن الذكرى تنفع المؤمنين) ونخاطبهم بكوميديا سوداء:
كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته...

متصدرو المشهد السياسي، المتغولون في أتون السلطة ومغرياتها، والناهبون للخيرات، والباقون مدى الحياة، والمفسدون في الأرض..
المتجبرون، الطغاة، المتمعنون في قهرنا، السالبون لإرادتنا، المكبلون لأيدينا...

تلطفًا وتضرعًا.. ارحموا ضعفنا وقلة حيلتنا وهواننا عليكم فنحن لم ولن نكون إلا معكم ومع علو أدراجكم، وسمو مكانتكم، نبارك خطواتكم، وندعم مسيرتكم نحو ترسيخ الديمومة والتمسمر فوق كراسيكم الخشبية، خذوا كل ما يحلو لكم، تنعموا أنتم وأطفالكم وزوجاتكم، بنعيم الأرض وأديمها، العبوا باليورو والدولار والإسترليني، اكنزوا ما استطعتم من ذهب وفضة خشية الإملاق، وأغدقوا على أنفسكم، فإنها ستحاسبكم يومًا على تقصيركم تجاهها..

فنحن لم ولن نكون إلا داعمين لكم ومبجلين ومشيدين لكل ما تقومون به من ترفيه لأسركم وأهليكم، ولِمَ لا فلأنفسكم عليكم حق!! امرحوا تفسحوا جوبوا الأرض عبر السماء والبحر والبر أصقاع المعمورة، فالفنادق الفارهة تفرد أجنحتها لترحب بكم، مع إقامة طيبة ومريحة، كلوا ما لذ وطاب فالدنيا إلى زوال.. لا تنسوا جوازاتكم الحمراء أثناء تجوالكم وعبوركم بحار وأنهار ومحيطات وقارات العالم...

عيشوا حياتكم وأنتم الأعلون، العزة لكم.. والفخر لنا بكم، لعلو شأنكم بين الأمم، أنتم السادة ونحن العبيد.. لا حراك لنا إلا في رضاكم، ولا غضب لنا إلا من أجلكم.. كل ذلك لكم، رضانا من رضاكم، رفقًا بأنفسكم، فأنتم الضياء والبهاء، ووجودنا من وجودكم، فأنتم الحياة والعطاء، فرحنا من فرحكم، وزهاؤنا من زهائكم، كونوا أنتم، فنحن فداكم!!!!

نعم إن لم نقل. لا، وكلا، وكفى، ونكتفي بالمكوث في بيوتنا، كالدجاج في قنه، يبيت ورؤوسه مطأطأة، وأجنحته مضمومة، مرعوبا يرتجف، ينتظر دوره مستسلمًا لمصيره، أو نُساق كالأغنام بنشوة.. إلى حيث الذبح بقسوة!!!
وإلى متى سيظل الشعب الليبي قابعًا في سباته المخيف؟! وهل نسمع له رِكزا؟!

الخطب جلل، والأمر لا يحتمل أكثر من ذلك، إنها حياة ومصير، هل الشعب الليبي يدرك ما هو فيه من خطر داهم؟ وإن كان يدرك فلماذا السكوت والعيش في ظل هذه المهانة والذل؟!

ليبيا التي كانت وحدة واحدة متماسكة مترابطة في تجانس وشراكة حقيقية، وانسجام تام لا انفصام في ظل كل الظروف، نراها اليوم بين الدول لا دولة، حيث انتفت عنها الهيبة، والسيادة، والسلطة النافذة.. ولا شعب ذو إرادة كما كان الآباء والأجداد!
ولا جغرافيا متماسكة كخارطة سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، يحترمها المجتمع الدولي ويحسب لها ألف حساب، قبل أن يقدم على أي خطوة من شأنها تدنيس ترابها، والعبث بمقدراتها، واللعب على أوتار تقسيمها ودغدغة مشاعر أصحاب النزعة الانفصالية، إذًا لا دولة تذكر وفق تعريفات مفهوم الدولة الجامع: سلطة وشعب وإقليم.

.. قد يقول قائل لم تكن الجغرافيا مترابطة كما قبل، ولا الشعب متماسكا بثوابته الراسخة والموغلة في التاريخ، ولا السلطة نافذة ولها الكلمة الطولى على كل أجزاء التراب الليبي!!

اليوم اختلفت الآراء، وهذا أمر محمود، ولكن أن تختلف الأيديولوجيات في البلد الواحد، فهنا الطامة الكبرى، حيث الانقسام والتشظي بين أجندة هنا وأخرى هناك، فالشعب اليوم منقسم ليس على نفسه، بل تم وبذكاء توزيعه جهويًا وقبليًا، ومن ثم العمل على إذكاء روح العداء بين أبناء الوطن الواحد، حتى الجهة الواحدة، والمنطقة الواحدة والقبيلة الواحدة وصولًا للعائلة والأسرة، فأصبح كل يرى في قيادة معينة هي الملجأ والخلاص.. منهم من ارتضى الإسلام السياسي كحل: وفق الشريعة الإسلامية المرسومة على مقاس مروجيها!! ومنهم من ارتمى في أحضان المليشيات للذود عنه وحمايته، ويراهم الصفوة حيث القوة والعنفوان الثوري!!

ومنهم من قال العسكر هو الأفضل، متخليًا عن طموحاته مقابل الأمن والاستقرار، وإعادة هيبة الدولة وسيادتها.. ومنهم من تحزب تحت أيديولوجية ليبرالية، وأخرى علمانية.. ومنهم من آمن بالعودة للشرعية الدستورية، وهؤلاء اختلفوا حول الآلية القانونية لتاريخ العودة، منهم من قال العودة لدستور 51، الضامن للنظام الفدرالي، ومنهم من قال بل العودة لما قبل ثورة الفاتح من سبتمبر، ومنهم من طالب بعودة الأمير محمد كملك متوج، وآخرون يرزحون تحت سطوة وجبروت القوة القاهرة على الأرض، وإذا ما ذهبنا مع التحليل السابق والذي يرمي صاحبه لصعوبة اتفاق الشارع على كلمة واحدة، بعد شتاته الممنهج.. لأنه وبحسب التحليل: الشارع توزع إلى شوارع وحوارٍ وأزقة على الخارطة السياسية الليبية، وبذلك ليس من المنطق أن ينسجم من في الغرب مع نفسه، حتى يتناغم مع الشرق والجنوب، وكذلك العكس!

وبوجود هكذا متاهة لامتناهية، يلعب كل من الساسة باطمئنان أمام بيته بأدوات مختلفة، منها الاقتصادية والاجتماعية، والرهان على الشعارات الوجدانية ذات الطابع الإنساني كحقوق الإنسان، ورعاية الطفل، وحرية التعبير، ودور المرأة في المجتمع كشريك أساسي في الحياة السياسية، وبذلك يصبح الكل في تيه، حتى يأتي الله بأمر كان مفعولًا..

وإذا سلمنا بأن الشعب الليبي ما زال بخير فهناك علامات استغراب وتعجب!!
«الشارع لا حس لا مس»

هل هو الرضا بما يحدث والخضوع للأمر الواقع؟! أم اليأس والقنوط قد أخذ منهم
ما أخذ فجعلهم وكأنهم في حالة إغماء وتخدير؟!



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»