اختار المركز الليبي للمحفوظات والدراسات التاريخية (الجهاد) إحدى ندواته الاستثنائية، التي تستمر عادة أكثر من يوم ويشارك فيها بتكليفٍ بعض المختصين، شخصية لها تاريخها، وهو الشيخ عبد الحميد العبّار، أبرز الذين جمعوا بين الجهاد والهجرة ومشيخة القبيلة وعضوية بعض المجالس ورئاستها، التي كان آخرها مجلس الشيوخ الذي ترأسه في ستينيات القرن الماضي، وبقي على رأسه إلى اليوم الذي أُسقِطَ فيه النظام الملكي، وشمله السجن الذي طال كل نظرائه.
وقد أُشيعَ -يومئذ- أن الملك إدريس قد سلّمه كتاب استقالته، وأوشك أن يعقد لها مجلس الأمة في الخامس من سبتمبر 69، لولا أن التنظيم العسكري قد تحرك قبل الموعد، فصدَقَ في ذلك المثل المعروف عمن سبق بأنه «تغدّى بمن ينافس قبل أن يتعشى به»، ولا ضير، فالرجل الذي كان دوماً على رأس العائلة التي تصدرت مُكوِّن قبيلة العواقير الشهيرة في برقة، تلك التي ضمت ضمن من ضمت أمثال رمضان رقرق وعبد السلام الكِزّة ويوسف بورحيل الذين كان لهم تواصلهم مع السيد أحمد الشريف عند شروعه في قيادة حركة الجهاد، والتصدي للغزو الإيطالي عقب معاهدة لوزان، وذلك قبل تركه رئاسة البيت السنوسي لابن عمه وزوج كريمته إدريس المهدي السنوسي، الذي رجح مبدأ التفاوض مع الإيطاليين بدعم بريطاني وتأييد قبلي، كان العبّار أحد الذين لم يخفوا هذه الحقيقة، وهو توجّه قد يخالفه فيه بعض من ذكرنا وغيرهم ممن لم نذكر. بيد أن مواقف جميعهم لم تكن مجهولة لدى الكثير من الذين تسنّى لهم التواصل مع أولئك الرموز عبر الفترة التي طبعت الحياة السياسية والاقتصادية، وما استدعته من إسنادٍ وعزلٍ ودعمٍ ومعاكسةٍ، وبالذات في السنوات التي سبقت الاستقلال.
وكان للبريطانيين دورهم الملموس بالتوجهات في عديد الأمور، وبالتحديد في الصراع الذي تصدره السيد أبو القاسم أحمد الشريف ومن حوله، من أمثال الكاديكي وبويصير ورقرق ومن إليهم من ناحية، وعبد الله عابد ومن تحالف معه من ناحية أخرى، والذي بلغ ذروته باغتيال السيد إبراهيم الشلحي، وقد سبقه وقف والي برقة عن العمل، وسحب لقب «السيادة» من عبد الله عابد، مما انتهى ليس فقط بتبرئته وإيثاره وإقصائه، بل حرمان أبناء الشريف من حقوقهم ليس فقط كسنوسيين، بل كمواطنين، ولم يخرجهم من تلك الحالة المؤسفة سوى الربيع العربي، إذ إن سقوط النظام الملكي لم يحل دون شبهات أخرى، فتُفتح صفحات الماضي، ويكون عبد الحميد بين الذين شملتهم هذه الالتفاتات الجادة، فتأتي هذه الندوة ويتداعى لها هذا العدد من البُحّاث الجامعين بين الكم والكيف ممن أجمعوا على تثمين دور العبّار في انحيازه المميز تجاه السيد إدريس أميراً وملكاً، وقادراً أكثر من الجميع، حتى إنه أبقى على الاستقالة -إذا تأكدت- إلى أن أفلح غيره في قطف الثمرة التي كانت جاهزة من سوء أداء الملك المُسن، ويأتي عهد حقق كما هو حال جميع النظراء من النتائج التي يعجز عنها أسوأ العملاء.
إنهم الذين طالما راهنوا على عدم السماح بوجود البديل غير مدركين أن غياب البديل هو وحده الذي يفسح الطريق أمام أي بديل. كل ذلك دون أن ننسى تحية كل من أسهم ولو بالحضور والاستماع، وليرحم الله عبد الحميد العبّار ورفاقه الأبرار.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات