Atwasat

الرحمة للعبّار ورفاقه الأبرار

أمين مازن الأحد 08 سبتمبر 2024, 04:46 مساء
أمين مازن

اختار‭ ‬المركز‭ ‬الليبي‭ ‬للمحفوظات‭ ‬والدراسات‭ ‬التاريخية‭ (‬الجهاد‭) ‬إحدى‭ ‬ندواته‭ ‬الاستثنائية،‭ ‬التي‭ ‬تستمر‭ ‬عادة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬يوم‭ ‬ويشارك‭ ‬فيها‭ ‬بتكليفٍ‭ ‬بعض‭ ‬المختصين،‭ ‬شخصية‭ ‬لها‭ ‬تاريخها،‭ ‬وهو‭ ‬الشيخ‭ ‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬العبّار،‭ ‬أبرز‭ ‬الذين‭ ‬جمعوا‭ ‬بين‭ ‬الجهاد‭ ‬والهجرة‭ ‬ومشيخة‭ ‬القبيلة‭ ‬وعضوية‭ ‬بعض‭ ‬المجالس‭ ‬ورئاستها،‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬آخرها‭ ‬مجلس‭ ‬الشيوخ‭ ‬الذي‭ ‬ترأسه‭ ‬في‭ ‬ستينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬وبقي‭ ‬على‭ ‬رأسه‭ ‬إلى‭ ‬اليوم‭ ‬الذي‭ ‬أُسقِطَ‭ ‬فيه‭ ‬النظام‭ ‬الملكي،‭ ‬وشمله‭ ‬السجن‭ ‬الذي‭ ‬طال‭ ‬كل‭ ‬نظرائه‭.‬

وقد‭ ‬أُشيعَ‭ -‬يومئذ‭- ‬أن‭ ‬الملك‭ ‬إدريس‭ ‬قد‭ ‬سلّمه‭ ‬كتاب‭ ‬استقالته،‭ ‬وأوشك‭ ‬أن‭ ‬يعقد‭ ‬لها‭ ‬مجلس‭ ‬الأمة‭ ‬في‭ ‬الخامس‭ ‬من‭ ‬سبتمبر‭ ‬69،‭ ‬لولا‭ ‬أن‭ ‬التنظيم‭ ‬العسكري‭ ‬قد‭ ‬تحرك‭ ‬قبل‭ ‬الموعد،‭ ‬فصدَقَ‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬المثل‭ ‬المعروف‭ ‬عمن‭ ‬سبق‭ ‬بأنه‭ ‬‮«‬تغدّى‭ ‬بمن‭ ‬ينافس‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يتعشى‭ ‬به‮»‬،‭ ‬ولا‭ ‬ضير،‭ ‬فالرجل‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬دوماً‭ ‬على‭ ‬رأس‭ ‬العائلة‭ ‬التي‭ ‬تصدرت‭ ‬مُكوِّن‭ ‬قبيلة‭ ‬العواقير‭ ‬الشهيرة‭ ‬في‭ ‬برقة،‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬ضمت‭ ‬ضمن‭ ‬من‭ ‬ضمت‭ ‬أمثال‭ ‬رمضان‭ ‬رقرق‭ ‬وعبد‭ ‬السلام‭ ‬الكِزّة‭ ‬ويوسف‭ ‬بورحيل‭ ‬الذين‭ ‬كان‭ ‬لهم‭ ‬تواصلهم‭ ‬مع‭ ‬السيد‭ ‬أحمد‭ ‬الشريف‭ ‬عند‭ ‬شروعه‭ ‬في‭ ‬قيادة‭ ‬حركة‭ ‬الجهاد،‭ ‬والتصدي‭ ‬للغزو‭ ‬الإيطالي‭ ‬عقب‭ ‬معاهدة‭ ‬لوزان،‭ ‬وذلك‭ ‬قبل‭ ‬تركه‭ ‬رئاسة‭ ‬البيت‭ ‬السنوسي‭ ‬لابن‭ ‬عمه‭ ‬وزوج‭ ‬كريمته‭ ‬إدريس‭ ‬المهدي‭ ‬السنوسي،‭ ‬الذي‭ ‬رجح‭ ‬مبدأ‭ ‬التفاوض‭ ‬مع‭ ‬الإيطاليين‭ ‬بدعم‭ ‬بريطاني‭ ‬وتأييد‭ ‬قبلي،‭ ‬كان‭ ‬العبّار‭ ‬أحد‭ ‬الذين‭ ‬لم‭ ‬يخفوا‭ ‬هذه‭ ‬الحقيقة،‭ ‬وهو‭ ‬توجّه‭ ‬قد‭ ‬يخالفه‭ ‬فيه‭ ‬بعض‭ ‬من‭ ‬ذكرنا‭ ‬وغيرهم‭ ‬ممن‭ ‬لم‭ ‬نذكر‭. ‬بيد‭ ‬أن‭ ‬مواقف‭ ‬جميعهم‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مجهولة‭ ‬لدى‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الذين‭ ‬تسنّى‭ ‬لهم‭ ‬التواصل‭ ‬مع‭ ‬أولئك‭ ‬الرموز‭ ‬عبر‭ ‬الفترة‭ ‬التي‭ ‬طبعت‭ ‬الحياة‭ ‬السياسية‭ ‬والاقتصادية،‭ ‬وما‭ ‬استدعته‭ ‬من‭ ‬إسنادٍ‭ ‬وعزلٍ‭ ‬ودعمٍ‭ ‬ومعاكسةٍ،‭ ‬وبالذات‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬التي‭ ‬سبقت‭ ‬الاستقلال‭.‬

وكان‭ ‬للبريطانيين‭ ‬دورهم‭ ‬الملموس‭ ‬بالتوجهات‭ ‬في‭ ‬عديد‭ ‬الأمور،‭ ‬وبالتحديد‭ ‬في‭ ‬الصراع‭ ‬الذي‭ ‬تصدره‭ ‬السيد‭ ‬أبو‭ ‬القاسم‭ ‬أحمد‭ ‬الشريف‭ ‬ومن‭ ‬حوله،‭ ‬من‭ ‬أمثال‭ ‬الكاديكي‭ ‬وبويصير‭ ‬ورقرق‭ ‬ومن‭ ‬إليهم‭ ‬من‭ ‬ناحية،‭ ‬وعبد‭ ‬الله‭ ‬عابد‭ ‬ومن‭ ‬تحالف‭ ‬معه‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى،‭ ‬والذي‭ ‬بلغ‭ ‬ذروته‭ ‬باغتيال‭ ‬السيد‭ ‬إبراهيم‭ ‬الشلحي،‭ ‬وقد‭ ‬سبقه‭ ‬وقف‭ ‬والي‭ ‬برقة‭ ‬عن‭ ‬العمل،‭ ‬وسحب‭ ‬لقب‭ ‬‮«‬السيادة‮»‬‭ ‬من‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬عابد،‭ ‬مما‭ ‬انتهى‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬بتبرئته‭ ‬وإيثاره‭ ‬وإقصائه،‭ ‬بل‭ ‬حرمان‭ ‬أبناء‭ ‬الشريف‭ ‬من‭ ‬حقوقهم‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬كسنوسيين،‭ ‬بل‭ ‬كمواطنين،‭ ‬ولم‭ ‬يخرجهم‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬الحالة‭ ‬المؤسفة‭ ‬سوى‭ ‬الربيع‭ ‬العربي،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬سقوط‭ ‬النظام‭ ‬الملكي‭ ‬لم‭ ‬يحل‭ ‬دون‭ ‬شبهات‭ ‬أخرى،‭ ‬فتُفتح‭ ‬صفحات‭ ‬الماضي،‭ ‬ويكون‭ ‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬بين‭ ‬الذين‭ ‬شملتهم‭ ‬هذه‭ ‬الالتفاتات‭ ‬الجادة،‭ ‬فتأتي‭ ‬هذه‭ ‬الندوة‭ ‬ويتداعى‭ ‬لها‭ ‬هذا‭ ‬العدد‭ ‬من‭ ‬البُحّاث‭ ‬الجامعين‭ ‬بين‭ ‬الكم‭ ‬والكيف‭ ‬ممن‭ ‬أجمعوا‭ ‬على‭ ‬تثمين‭ ‬دور‭ ‬العبّار‭ ‬في‭ ‬انحيازه‭ ‬المميز‭ ‬تجاه‭ ‬السيد‭ ‬إدريس‭ ‬أميراً‭ ‬وملكاً،‭ ‬وقادراً‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬الجميع،‭ ‬حتى‭ ‬إنه‭ ‬أبقى‭ ‬على‭ ‬الاستقالة‭ -‬إذا‭ ‬تأكدت‭- ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬أفلح‭ ‬غيره‭ ‬في‭ ‬قطف‭ ‬الثمرة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬جاهزة‭ ‬من‭ ‬سوء‭ ‬أداء‭ ‬الملك‭ ‬المُسن،‭ ‬ويأتي‭ ‬عهد‭ ‬حقق‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬حال‭ ‬جميع‭ ‬النظراء‭ ‬من‭ ‬النتائج‭ ‬التي‭ ‬يعجز‭ ‬عنها‭ ‬أسوأ‭ ‬العملاء‭.‬

إنهم‭ ‬الذين‭ ‬طالما‭ ‬راهنوا‭ ‬على‭ ‬عدم‭ ‬السماح‭ ‬بوجود‭ ‬البديل‭ ‬غير‭ ‬مدركين‭ ‬أن‭ ‬غياب‭ ‬البديل‭ ‬هو‭ ‬وحده‭ ‬الذي‭ ‬يفسح‭ ‬الطريق‭ ‬أمام‭ ‬أي‭ ‬بديل‭. ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬ننسى‭ ‬تحية‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬أسهم‭ ‬ولو‭ ‬بالحضور‭ ‬والاستماع،‭ ‬وليرحم‭ ‬الله‭ ‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬العبّار‭ ‬ورفاقه‭ ‬الأبرار‭.‬



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»