الخَوْف هو الشعور الناجم عن الخطر أو التهديد المتصور، ويؤدى هذا الشعور بالإنسان إلى الابتعاد عن الخطر من خلال استخدام «ميكانيزمات» عدة، منها الهروب، أو الاختباء، أو التجمد والشلل تجاه الأحداث الخطيرة التي يتصورها. والخوف يحدث في البشر كاستجابة طبيعية عند وجود خطر، ولكى لا يتحول هذا الشعور الطبيعى إلى حالة مرضية من الرهاب والهلع (فوبيا) يفترض أن يستطيع الشخص التحكم في خوفه من خلال التفكير المنطقي، والحرص على ألا تكون استجابته في حالاتها القصوى.
والخوف أنواع، فهناك من يخاف الأماكن العالية، وهناك من يخاف ركوب المصعد أو الطائرة أو البحر، وهناك من يخاف الأماكن المظلمة، أو الخوف من بعض أنواع الحيوانات.. إلخ.
وتعتبر حالة الـ«أكروفوبيا»، أو رهاب المرتفعات، من أشهر أنواع الفوبيا. ومع أن الخوف العقلاني من المرتفعات أمر طبيعي، لكن لدى بعض البشر تسبب المرتفعات هلعا يمنعهم حتى من النظر إلى النافذة أو استخدام المصاعد التي تطل على مناظر بانورامية. لذا، ومن ناحية علم النفس، «لا يُعد الخوف فوبيا أو رُهابًا محددًا إلا إذا كان يمنع الفرد من ممارسة حياته بشكل طبيعي».
ويؤكد علماء النفس أنه من غير المعتاد أن تبدأ «الفوبيا» أو الرهاب بعد سن الثلاثين، حيث يبدأ معظمه خلال مرحلة الطفولة المبكرة، أو سنوات المراهقة، أو البلوغ المبكر، وغالبا ما يكون ناجما عن تجربة مرهقة، أو حدث مخيف، خاصة لو كانت تنشئة الأطفال قائمة على زرع الخوف لأجل الطاعة، مما تؤدى إلى مشاكل نفسية كبيرة عند البلوغ، مثل فقدان الثقة بالنفس، وعدم الشعور بالاستقلالية، والخوف من المبادرة واتخاذ القرارات.
فى المجتمعات التى يسودها الاستبداد ينتشر الخوف، ويتم تمجيد وتزكية «الصمت»، فالمتوارث في ثقافتنا منذ القدم وحتى اليوم يقول إن «الصمت فضيلة عظيمة»، بل هناك أقوال لا تحصى فى تعديد محاسن الصمت، ولعل أشهرها «إذا كان الكلام من فضة، فالسكوت من ذهب».
نعم قد يكون الصمت فضيلة إذا كان منجاة من التهلكة أو كان المقابل الموضوعى للثرثرة، ولكن السبب الحقيقى وراء ذلك هو «الخوف»، لأن من يقول كلمته بشجاعة سيدفع ثمنها، خصوصا إذا كان في مجتمع تغيب عنه الحريات، وفي بيئة تسودها شريعة الغاب، وفي مخاض تنعدم فيه الموازين، وكثيرا ما يصبح الرأي الآخر أو الاجتهاد أو النقد المخالف عرضة للتشويه والتخوين والتكفير.
لذلك تتم ترقية الصمت من أمر سلبى إلى أمر إيجابى، ويصبح فضيلة، وما هو كذلك، فالصمت حين يجب الكلام أكبر رذيلة.
وفى مجتمعات الاستبداد أيضا تفرض «ثقافة الخوف» هيمنتها على الأذهان، وتسود وتترسخ فى العقل الجمعى مقولة «اللى ما يدير شيء ما يجيه شيء»، عندها يتضخم الرقيب الداخلي بسبب الخوف من بطش السلطة، فلا يستطيع الإنسان أن يعيش حياة آمنة، ولا يستطيع أن يبوح برأيه وأفكاره، مما يسبب انعكاسا سلبيا على حالته النفسية، فيلجأ للصمت، ويسود داخله الشعور بالغبن والقهر والذلة.
أود أن أشير إلى نوع من الخوف، خوف متميز ومهم، لأن كل ما سبق ضرره يتعلق بصاحبه، ولكن هناك نوع خطير وانعكاساته السلبية تعود على المجتمع بكامله، وهو خوف «أهل السلطة»، حيث نجد هناك «فوبيا» مخفية وغير ظاهرة للناس، وهى خوف من فى السلطة على منصبه، الذي يُظهره على أنه الحرص على المصلحة العامة. لهذا عندما نفكر في المسؤول، أياً كان، ونراقب سلوكه، فسنرى أن عقليته تتركز حول الخوف من الفقد والخسارة، وقد يفعل الإنسان أي شيء في لحظة الخوف.. قد يكذب ويخدع ويضحي بزملائه ومرؤوسيه من أجل البقاء في عمله، فهو قد وصل لموقعه الوظيفي بطريقة غير عادلة، وبالتالي نجده يخاف على فقدان المكتسبات، ويسحق كل فرص نجاح من تحته، حتى لا يظهر له منافس.
أختم بإشارة ساخرة إلى نوع غريب يسمى الـ«فيستيفوبيا»، وهو الخوف من الملابس! حيث يخشى الأشخاص المصابون بهذه الحالة ثوبًا معينًا، أو قد يخافون من الملابس الضيقة التي تجعل المرء يشعر بالقيود وضيق تنفس. لذا، وفي الحالات القصوى، قد ينسحب المريض من المجتمع تمامًا لتجنب ارتداء الملابس. وتقديرى لو انتشرت هذه الحالة فسنرى الناس يمشون عرايا فى الشارع!
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات