بعد أعجوبة صعود الإنسان إلى سطح القمر، وبعد أن اتضح للمليارات من البشر الذين يعيشون فوق سطح الأرض أن القمر، على الرغم من جاذبيته وسحره، ليس سوى كوكب صغير، في كون فسيح مليء بالكواكب وبالنجوم، ولا يحتوي سوى رمال وصخر وجبال، لم يتوقفوا عن التغزل به والتغني بجماله، وما زالوا يفعلون حتى يوم الناس هذا. ونظرة واحدة، ولو عجلى، إلى ما ينشر من أشعار، ويبث من أغانٍ ومواويل، بكل اللغات، كفيلة بذلك.
يبدو أن شيئاً ما، غامضاً، كالحب ربما، ويشبه سلكاً سحرياً لا مرئياً، يشدنا بالقمر وبنوره، ويجعلنا أسرى وهم جميل لا نتمنى زواله، وكأننا نعيش حلماً. إلا أن ذلك السلك، في الوقت ذاته، لا يمتد ويشدنا بعلاقة مماثلة مع كواكب أخرى: المريخ مثلاً.
هل السر في ذلك يكمن في أننا نرى القمر بالعين المجردة، على الرغم من بعد المسافة بيننا، ولا نرى الكواكب الأخرى، ومن خلال تلك الرؤية، نشأت ونمت، منذ قديم الزمن، علاقة حميمة بيننا وبين نوره؟ أو أن في نوره يكمن شيء خفي يخطف الأفئدة والعقول، ويجعلنا شديدي الارتباط به، ولا يمكننا الانفكاك منه والعيش من دونه؟
الفكرة من وراء نشوء علم الفضاء ووكالات الفضاء ليس بهدف إفساد ذلك الوهم الجميل كما قد يظن البعض. بل هي محاولة تحقيق حلم إنساني قديم في الوصول إلى القمر، وإلى غيره من بقية كواكب المجموعة الشمسية، على أمل اكتشاف كائنات أخرى، أو اكتشاف مصادر حياة في تلك الكواكب البعيد منها والقريب، تنفع لاستعمارها واستغلال ثرواتها.
وحين تمكن علماء الفضاء من إنزال أول رجل على سطح القمر في يوم 20 يوليو العام 1969، اشتدت بهم الرغبة إلى إعادة المحاولة مرات أخرى. ويبدو أن انعدام فرص الحياة على سطح القمر، لم يشجع العلماء كثيراً على ذلك، بل جعلهم يفكرون في الاستفادة منه في الوصول إلى كوكب المريخ، بمحاولة تصميم وتشييد محطات فضائية دائمة، تكون بمثابة منصات إطلاق، تنطلق منها مركبات فضاء نحو المريخ اختصاراً للزمن. التفكير العملي في الوصول إلى المريخ ازدادت وتيرته في السنوات الأخيرة، بعد النجاح الذي حققه العلماء الأميركيون في إيصال أول مسبار على سطحه، وبمهمة البحث عن مصادر حياة. كان ذلك في العام 2018.
خلال الأسبوع الماضي، ظهرت علينا وسائل الإعلام بخبر علمي مفرح بشكل استثنائي، يقول إن علماء الفضاء في وكالة «ناسا» الأميركية تحصلوا على معلومات أرسلها المسبار الموجود فوق سطح المريخ، تؤكد على وجود خزانات مياه جوفية، تتوفر على عمق يتراوح ما بين 12 و15 كيلومتراً تحت السطح وبكميات هائلة. وهذا يعني أن التساؤل حول وصول الإنسان إلى المريخ من عدمه تحول بعد صدور تقرير علماء الفضاء الأخير، من سؤال هل يصل الإنسان إلى المريخ؟ إلى متى يصل الإنسان إلى المريخ، ومن سيصل أولاً ويبدأ استعماره؟
النقلة العلمية المتحققة أخيراً تعد قفزة نوعية للبشرية، ومثيرة للإعجاب والدهشة. إلا أنها، في الوقت ذاته، إيذان بقرب انتقال الصراع الدولي، إلى ذلك الكوكب البعيد. وأننا، في المدى الزمني القريب، ربما يحالفنا الحظ ونكون شهود عيان على حقبة استعمارية جديدة في التاريخ الإنساني، قد لا تختلف عن الحقبة الاستعمارية على الأرض في القرنين التاسع عشر والعشرين. وأن الصراع قد يشتد، ويؤدي إلى حروب وكوارث لا تختلف عن تلك التي سببها الاستعمار الأوروبي في قارات العالم الأخرى. وكأن التاريخ يعيد نفسه.
وهذا بدوره يسرق منا نشوة الفرح بالاكتشاف العلمي، ويثير في قلوبنا وعقولنا أسئلة تتعلق بطبيعة الحياة المتوقعة، والمقبلة حتماً، على المريخ في مستقبل قريب. أي أن العيش المحتمل للإنسان على ذلك الكوكب البعيد، من المتوقع له، أن يعيد الإنسان خطوات إلى الوراء وليس العكس، وفق ما نعرفه من معلومات، واستناداً إلى ما نعيشه من تنافس وصراعات وحروب. وأن الحقبة المريخية المأمولة وقريبة التحقق حتماً نذير بمرحلة من تنافس استعماري جديد بين دول عظمى، وليس بشيراً بفتح آفاق أمام حياة إنسانية مختلفة عما عرفنا وجرّبنا، لأن الإنسانية سوف تنقل معها إلى المريخ أمراضها المزمنة. وكأن الحياة دائرة مغلقة تدور بسوء الاستخدام لتستهلك نفسها والكون.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات