Atwasat

جماليات القبح

منصور بوشناف الخميس 25 يوليو 2024, 04:23 مساء
منصور بوشناف

لقرن وربع قرن ظلَّ الفن التشكيلي يصور «القبح» كموضوع أساسي للفن، بالتحديد منذ نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين وإلى الآن، حتى بدا الفن نفياً متطرفاً لكل منجزات حضارة القرن العشرين، ورفضاً جذرياً لكل ما أنجزته من تطوير مادي وقيم أخلاقية.

المفكر «ستيفن هيكس» صاحب كتاب «نيتشه والنازية» وفي حديثه «كيف صار الفن قبيحاً؟» يرجع هذا النزوع في الفن التشكيلي خاصة لرسم العالم والإنسان بهذا القبح، إلى هيمنة أفكار ونظريات فلاسفة وعلماء تصدوا لمعارضة ونفي قواعد وأفكار وقيم المجتمع الحديث الذي تهيمن على مصيره الرأسمالية وأنظمتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وبالتأكيد الفلسفية، هؤلاء الفلاسفة والعلماء وحسب «ستيفن هيكس» كانوا ومنذ نهايات القرن التاسع عشر وإلى الآن الملهمين والمؤثرين الأهم في أهم الفنانين وعلماء الجمال ومؤرخي وفلاسفة الفن.

أولهم كان «نيتشه» الذي نزع عن الإنسان الرعاية والحماية والعطف الإلهي وجعله يواجه مصيره أعزلَ ووحيداً دون حامٍ ولا منقذ، ثم جرده «دارون» من قداسته وجعله حلقة من حلقات كثيرة تحركها وتحكمها غريزة «الصراع من أجل البقاء» وسط مملكة حيوانية متوحشة، لا يزيد تاريخها عن وقائع مطاردة المفترس للفريسة.

«كارل ماركس» أرجع كل مظاهر الحياة الإنسانية إلى الصراع المتوحش على الموارد الاقتصادية واستغلال الإنسان لأخيه الإنسان للسيطرة على تلك الموارد وتملكها، أن الأقوى والأكثر توحشاً هو المالك والمتحكم في كل شيء.

«فرويد» جرد الإنسان من صورته المثالية المقدسة ونزع كل أقنعته لتكون صورته ليس أكثر من حيوان مفترس يلتهم الآخر ويتناسل، ولا تحرك حياته إلا غريزة التناسل والافتراس.

هؤلاء المفكرون قادوا الوعي الإنساني إلى إدراك أن قوانين المجتمع ليست إلا قوانين الغابة، التي يقتل ويفترس فيها القوي الأضعف.

القصة لم تكن أفكاراً ونظريات فلسفية فقط؛ بل كان التاريخ الإنساني والواقع يؤكدان دائماً تلك الأفكار والنظريات، فالحروب والمجاعات لم تتوقف؛ بل ازدادت توحشاً مع بدايات القرن العشرين، ازداد الفقر واستغلال الإنسان لأخيه الإنسان، وبدأت الأمم المتحضرة في إبادة بعضها البعض في حربيها العالميتين، وحروبها التي تلتهما، وبدأت الحرب الباردة بين قطبي العالم، وتوج «العلم» إنجازاته بالأسلحة النووية ليكون المصير الإنساني «فناءً وعدماً محتومين».

ماذا على الفن أن يقول وأن يصور وسط هذه الغابة المتوحشة؟
الفن، ورغم كل الظروف، كان عليه أن يقول الحقيقة، أن ينزع القشرة الزائفة للواقع والمصير الإنسانيين، أن يحفر للوصول إلى صورتنا وصورة العالم الحقيقية، إلى ذلك القبح والتوحش الكامن فينا وفي الحياة بكل مظاهرها، أن أفكار التوازن والتناظر، والتناغم ليست إلا خدعة أو فخاً للصيد، ننصبه لبعضنا البعض، أفراداً وقطعاناً وأمماً.

إن قرناً وربع قرن من الحداثة والتطور لم تكن بالنسبة للفن في غالبه إلا اغتراباً ونفياً، عدمية ظللت كل اللوحات، وسيولة كطوفان «نوح» غمرت كل المعارض والمتاحف الفنية، أن القرن العشرين وبمنجزاته العلمية ومكتشفاته، لم يكن لتيارات الفن الحديث إلا «عصر فاوست» الذي تعاقد مع الشيطان لتحقيق رغباته المجنونة في القتل والمال والاغتصاب الجنسي وتحويل الإنسان إلى «آلة»، ليكون الدمار والعذاب نهاية ذلك العقد.

هذا العقد يصور نتائجه «باومان» بتحول الإنتاج إلى هدف واحد هو الاستهلاك وليس لمستقبل الإنسانية ويتحول الجنس للذة فقط وليس للتكاثر والحفاظ على الجنس البشري، وتحول المواطن إلى فرد معزول ومستهلك.

فن التشويه والمسخ والتحطيم والاغتراب والعدم، كان المعبر عن حقيقة عصرنا الذي ما زلنا نعيش، وعن رعبنا من المصير المجهول والمرعب.

الريبة والتفكيك والتحلل والتلوث والفيروسات الأكثر تطوراً، والأهم من كل تلك النتائج لقرننا العشرين كان المعرفة، إدراك المصير الإنساني المظلم والمخيف، الذي أنجزته الفلسفة وصورت تفاصيله اللوحات، إن لوحة «يوم القيامة، لمايكل أنجلو» تتحول إلى «جورنيكا بيكاسو» وقد تهشم تناظرها وتوازنها وتشوهت ملامح إنسانها. لقد صار على الفن أن ينجز تصوير القبح بإتقان، أن ينجز «استاطيقا القبح».



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»