تعرف ظاهرة السراب برؤية المرء مياها أو أي تضاريس أو أشكالا أخرى في الصحراء، ولكنها بالفعل، وفي الواقع غير موجودة في أماكنها التي جرت رؤيتها بها، وعادة ما تبدأ هذه الأشكال في الاختفاء عند الاقتراب منها تدريجيا، وعلى الرغم من كونها ظاهرة بصرية جميلة، إلا أنها تسبب (الخلط والارتباك في تحديد المسافات وتشويه الرؤية الواقعية).
فالسراب ظاهرة بصرية تحدث نتيجة لانكسار أشعة الضوء القادمة من الشمس في الطبقات المختلفة من الهواء، وينتشر السراب في الصحاري، عندما يمر الضوء عبر طبقتين من الهواء بدرجات حرارة مختلفة، حيث تكون الطبقة العلوية من الهواء أقل حرارة من الطبقة السفلية القريبة من السطح، حيث تقوم شمس الصحراء بتسخين الرمال، والتي بدورها تسخن الهواء فوقه، وبذلك يحني الهواء الساخن أشعة الضوء، ويعكس شكل السماء، ما يجعل السراب يظهر على شكل المياه.
والحديث عن السراب لي فيه مآرب أخر وهو تقديري أن السراب له صلة قربى بحالة تغشى الإنسان تعرف بـ (التَوَهَّمُ) وهو الاعتقاد الخاطيء وغير المبنيّ على أساس قسم من الإدراك أو هو إدراك المعنى الجزئيّ المتعلِّق بالمحسوسات فيقال تَوهَّم الرجل المرض في كل آن أي يَظُنُّه؛ أو توهَّمَ صورة عزيز عليه أي تخيَّلَها.
والسؤال هنا؛ هل هناك أفكار ورؤى نستطيع أن نقاربها مع السراب، أي عند إنزالها على الواقع وتدبرها تبدو كالسراب؟.
في تقديري نعم.. ولعل وهم «الإجماع» الذي يعني أن كل البشر أو العلماء على رأي واحد، وهو أمر محال؛ وكذلك الأمر يسرى على توهم وجود حلول مثالية في الحياة؛ واللهث وراء وهم «المدينة الفاضلة»، تلك بعض الرؤى المشابهة لـ السراب الذي يحسبه الظمآن ماء.
فـ «الحل المثالي» براق، وقد نراه جليا واضحا حتى نكاد أن نلمسه بجوارحنا ولكنه غير قابل للتنفيذ، أي أنه كالسراب!!. ولذا.. لا فائدة من إضاعة الوقت والجهد والمال والأرواح، والأفضل.. هو البحث عن الحل الممكن.
إن فهم أي تجربة إنسانية يفترض أن يجرى ضمن سياقها التاريخي، أي في سياقها الطبيعي، ومن دون مبالغة وتَوَهَّمُ.. فالتطبيق الفعلي لأي أيديولوجية أو دين يشوبه التشويه والابتعاد عن جوهره في أحيان كثيرة.. وهذا تأكيد على أن «كل دعوة للخير أو الهداية، لها جانب نظري مثالي لا بد أن يكون على أفضل وجه وأجمل صورة حتى يتوهم من يعتقده أنه هو الحل ويغفل عن حقيقة أن التطبيق على يد البشر لا يمكن أن يكون بالمستوى نفسه، وهذا أمر طبيعي ينسجم مع طبيعة البشر القائمة على الخطأ والضعف، فالمُثُل العليا لكي تتجسد واقعا أمر يصعب تحقيقه، وتبقى عملية التنفيذ جزءا من تجربة إنسانية حية وتفاعلا ديناميكيا مع البيئة التي تحيطها، وخاضعة لإمكانية الصواب والخطأ، وهذا التفاعل بين النظرية والتطبيق هو ما يدفع الإنسان إلى محاولة التطوير والتحسين المستمر.
ولذا يبدو لي ومن باب الحكمة أن نتوقع ونتأكد أن الحلول المأمولة للتعامل مع واقعنا المأزوم لن تكون مثالية وﻻ كاملة وﻻ شاملة؛ ولكنها الممكنة كبداية لوقف تردي الحال.
فالحل يكمن في التحسين المستمر الذي يأتي في خطوات متتالية تتراكم فيها المعرفة والتجربة.. فالمشاكل تحتاج إلى تفكيكها وتجزئتها ثم التعامل الحكيم معها وبشكل متدرج. وتنجز عبر خطوة تتبعها خطوات مع تحديد الأولويات الأهم فالمهم، ابتداء من خلق مناخ آمن وتأمين الاحتياجات المعيشية، والعمل على توحيد وبناء مؤسسات الدولة ومحاربة الفساد، إلى آخر متطلبات المرحلة بعيدا عن سراب الحلول الوهمية وانتظار البطل المخلص.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات