Atwasat

(ضربة معلم)

رافد علي الجمعة 04 أغسطس 2023, 11:28 صباحا
رافد علي

شهدت منطقة غرب أفريقيا تسعة انقلابات عسكرية خلال السنتين الماضيتين، وهو ما يشير إلى ضعف الغرب في أفريقيا، وإلى مدى تغلغل فاغنر بالقارة. يصف بعض الصحفيين بفرنسا الانقلاب في النيجر بأنه «ضربة معلم» لشركة فاغنر أمام القوى الغربية بتلك الدولة الفقيرة التي عُدت برئاسة محمد بازوم آخر معقل حليف للغرب بمنطقة غرب أفريقيا، إذ تتواجد قواعد عسكرية برية وجوية فرنسية وأميركية.
الانقلاب الأخير في ميامي هو الثالث بعد مالي وبوركينا فاسو التي يرفع فيها المناصرون للانقلاب شعارات معادية للغرب عموماً ولفرنسا بشكل عام ورُفعت الأعلام الروسية بحسب التقارير الواردة من هناك. ففي الاحتجاجات الأخيرة أمام السفارة الفرنسية بالنيجر برز شعار «فرنسا تقتل، وماكرون يكذب» بحسب الليبراسيون البارسية.

انقلاب النيجر، الدولة الغنية باليورانيوم، وأحد المصدرين المهمين للاتحاد الأوروبي وخصوصاً فرنسا، لا شك في أنه أربك قصر الإليزيه إلى حد التناقض في تصريحات المسؤولين حول التهديد باستخدام القوة في حالة تعرض المصالح الفرنسية للخطر، ونفت وزيرة الخارجية كاثرين كولونا عبر أثير إذاعة RTL عزم فرنسا إجلاء رعاياها من النيجر، إلا أن إعلاناً باريسياً رسمياً عاجلاً خرج على الملأ يعلن عن عزم الحكومة إجلاء رعاياها. جنسيات أخرى دون الكشف عن أي وجهة، مما وضع المراقبين بباريس في حيرة عن وجهة اللجوء، إلا أنهم رجحوا الجمهورية التشادية كأنسب الأماكن بسبب القرب والأمان.

من الواضح أن الاستراتيجية الفرنسية تعاني من خلل واضح بمنطقة الساحل، وهو ما تعالت به بعض الأصوات بباريس في السنتين الأخيرتين من قبيل كتَّاب الصحافة وخبراء الأزمات والأكاديميين وأبرزهم إيلي تيننباوم، مدير المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية والمتخصص في الشؤون الأمنية، الذي طالب في تقرير نشره المعهد منذ ما يزيد على سنتين بضرورة استحداث أفكار واستراتيجيات جديدة بمنطقة الساحل والصحراء، بدل التركيز على سياسة التواجد العسكري، مما يزيد من الشعور بالعداء لفرنسا بسبب عسكرة سياستها بتلك الدول، مما يجعلها تظهر غير مهتمة بمصالح شركائها بالمنطقة عموماً والنيجر تحديداً حيث شركة أرليك التي تستخرج اليورانيوم لصالح فرنسا منذ عقود.

بسبب تصدر فكرة «أن فرنسا بمنطقة الساحل والصحراء تواجه واقعاً قاتماً» بالأوساط الإعلامية، وضمن شق عريض من أهل المراقبة والتحليل، لجأت فرنسا إلى منغوليا لأجل استخراج اليورانيوم عبر عقد تجاري لمدة ثلاثين عاماً بقصد التقليل من سياسة التعويل التام على اليورانيوم المستخرج من النيجر، وهو ما قد يبعد فرنسا اليوم من شبح أزمة طاقة مع تدهور الأحوال والأوضاع مع ميامي.

رغم مشاعر الخوف التي يروج لها الانقلابيون في النيجر من احتمالية حدوث اعتداء خارجي تعزز مع تهديدات فرنسية وأخرى من مجموعة غرب أفريقيا – إيكواس- كما حصل في غامبيا منذ أعوام مضت، إلا أن واقع اليوم يفند احتمالية وقوع هكذا هجوم، فالتفويض الدولي الذي من شأنه منح غطاء الشرعية المطلوبة يبقى صعب المنال الآن بسبب المعارضة الروسية المكشوفة، وكذلك المعارضة الصينية المعلنة لاستخدام القوة في النيجر.

كما أن قبيلة الهوسة التي ينحدر منها عبدالرحمن تشياني، قائد الانقلاب في ميامي وبعض من رفاقه في المجلس العسكري، تمتد في عدة دول مجاورة للنيجر مما سيزيد من الشعور العام بالعداء للغرب ولفرنسا إذا ما جرت مهاجمتهم عسكرياً، وهو الأمر الذي يعول عليه قادة الانقلاب ويستعرضونه في الشارع عبر مناصريهم، كما أن دولة نيجيريا القوية في منظمة غرب أفريقيا، والمعارضة للانقلاب لا تستطيع ممارسة أي تدخل عسكري بشكل عملي، وذلك بسبب أن الشريط الحدودي لها مع النيجر يُعد منطقة مملوءة باللاجئين وبعناصر حركة بوكو حرام وأنصارهم التي لا تزال الحكومة المركزية في أبودجا تواجه مشاكل عديدة حيالها جميعاً رغم جيشها القوي.

واقع الحال اليوم في الشارع الأفريقي بشعوره المتنامي بالعداء نحو الغرب يظل مفتوحاً أمام نوع جديد من الشراكة كما تطرحه الصين واليابان، وكذلك فاغنر ربما! شراكة تخرج عن طابع التبعية للمستعمر، وهي ما توحي بأنها شراكة ستكون إحدى لبنات نظام عالمي جديد لا يزال قيد التكوين، نظام عالمي جديد تشير فيه الأشياء بتنوع مراكزه وبتعدد الأقطاب فيه، إلا أن فاغنر بممارساتها الانقلابية في أفريقيا يجعل منها علة في استقلاليات واستقرارية شعوب المنطقة، بل ربما أن إذعان الأفارقة هذه المرة لفاغنر - كبديل عن مستعمر- لن يغير شيئاً على مستوى الاستقرار والتنمية وتجاوز البؤس.

فاغنر كقوة مرتزقة عصرية ستبقي البشر معها في متاهات الحروب والفقر، تماماً كما انصاعت أوروبا منذ القرن الثالث عشر إلى القرن الخامس عشر عندما امتلك المرتزقة الكلمة العليا فيها، وأطالوا أمد حروبها حفاظاً على مكاسب مرتزقة الكوندوتييرو الإيطالية ومرتزقة اللاندسكنيشت الألمانية وغيرهما، ولم تتخلص أوروبا من لعنة المرتزقة إلا مع انطلاق حقبة الدولة القطرية.
فإلى أين وجهتنا في بلد لا تزال الميليشيات والمرتزقة والديناصورات عماد الكيانات فيها؟!.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»