Atwasat

مرحلة العمل الإعلامي: مذكرات عبدالرحمن شلقم

إبراهيم حميدان الخميس 27 يوليو 2023, 10:36 صباحا
إبراهيم حميدان

خلال الفصول الأولى من مذكرات عبدالرحمن شلقم التي حملت عنوان «سنواتي» يتحدث المؤلف عن بيئته الاجتماعية التي نشأ فيها، وولد بها وكان ذلك عام 1949 بقرية الغريفة الواقعة في النصف الغربي من «وادي الآجال»، ويصف قريته تلك بأنها كانت بالنسبة إليه المدرسة والمحفل الذي ترعرع في مُكونه الشامل المتفاعل.

درس شلقم الابتدائية في الغريفة التي لم يكن بها أو بمنطقة أوباري مدرسة ابتدائية ولذا فقد كان عليه أن ينتقل عام 1962 إلى سبها ليدرس الإعدادية والثانوية هناك، بعد أن غادرها الطالب معمر القذافي في السنة السابقة، لكن اسمه وصوته بقيا حاضرين، كما يقول شلقم، في أحاديث الطلاب ورجال السياسة بالولاية نتيجة قيادته لمظاهرات خلال سنوات دراسته في سبها تأييدا للثورة الجزائرية وكذلك التضامن مع شعب الكونغو متأثرا بإذاعة صوت العرب وخطب جمال عبدالناصر.

يتحدث المؤلف عن والدته بشخصيتها القوية التي تفيض بالطموح والتحدي وموهبتها في نظم الشعر الشعبي ومخزون ذاكرتها الثري بالقصائد والحكم والأقوال الشعبية، وعن والده الذي كان عضوا في أول مجلس للنواب بعد الاستقلال وكان متحمسا للثورة الجزائرية التي كان يتابع أخبارها وأخبارا أخرى عن حرب السويس وقضية فلسطين عبر الراديو حيث كانت أغلب الآذان مشدودة للمذيع أحمد سعيد، ذلك الصوت الناري الذي كان يملأ الأسماع. وفي أكتوبر 69 عقب الإطاحة بالنظام الملكي، يسافر الطالب عبدالرحمن شلقم ليستكمل دراسته الجامعية في مصر في كلية الآداب ليتخصص في الصحافة موفدا من الدولة، يعود عقب تخرجه في 1973 ليعمل صحفيا في صحيفة الفجر الجديد بمدينة طرابلس، ثم في قسم الإعلام بمبنى مجلس قيادة الثورة في باب العزيزية بطرابلس، حيث تعرف لأول مرة على العقيد معمر القذافي الذي كان مكتبه بالقرب من مكتب شلقم، وكان يزوره بين حين وآخر ليتبادل معه أحاديث بعيدا عن السياسة، ويسأله عن رفاق وزملاء له كان يدرس معهم في سبها.

في 1975 يُصبح شلقم رئيسا لتحرير صحيفة «الفجر الجديد» بتكليف من وزير الإعلام حينئذ محمد بلقاسم الزوي بعد استقالة نوري الحميدي منها نتيجة تعرضه لإهانة من قبل عمر المحيشي عضو مجلس قيادة الثورة آنذاك، ثم في 1977 يُكلف برئاسة تحرير صحيفتي «الأسبوع الثقافي» و«الأسبوع السياسي».

القذافي: هؤلاء شيوعيون ويجب إعدامهم جميعا
يسرد المؤلف عدة مواقف جرت خلال عمله في هذه الصحف أبرزها حين استدعاه إبراهيم بجاد مسؤول الإعلام بالقيادة، وبعد وصوله إلى مكتبه دخل عليهما معمر القذافي الذي امتنع عن مصافحته وبادره بالقول: ضحكوا عليك الشيوعيين واستولوا على الجريدتين؟ وراح يستعرض عليه جملا ومقالات نُشرت بالصحيفتين تتحدث عن العدالة الاجتماعية والكادحين والفقراء والطبقية والاستغلال الاجتماعي ثم أردف في غضب: هؤلاء شيوعيون بالتأكيد ويجب إعدامهم جميعا. دافع شلقم عما ينشر في الصحيفة لكن القذافي غادر المكتب غاضبا.

بعد يومين تمت إقالة شلقم وكُلف سعد مجبر برئاسة تحرير الأسبوع الثقافي والسياسي ثم اعتقل أغلب كتاب صحيفتي الأسبوع الثقافي والسياسي خلال ندوة حول الشاعر الراحل علي الرقيعي أقيمت ببنغازي في 26 ديسمبر 1978.

استدعي شلقم إلى نيابة أمن الثورة للتحقيق فنفى انتماءهم إلى أي تنظيم سياسي، ثم طُلب منه المغادرة والبقاء في بيته الذي بقي فيه عدة أشهر في إقامة جبرية، وفي جلسة المحاكمة جاء كشاهد نفي رفقة المحامي عبدالرحمن الجنزوري الذي كان يترافع عن هؤلاء الصحفيين لكن القاضي رفض الاستماع إلى شهادته. وصدر الحكم على الصحفيين المتهمين من المحكمة بالسجن المؤبد ثم عُدّل إلى حكم بالإعدام. وبعد مضي عشر سنوات أطلق سراحهم في ما عرف بـ«أصبح الصبح» عام 1988.

بعد رحلة علاج إلى لندن يعود شلقم إلى طرابلس وقد بدأت التصفيات الجسدية للمعارضين الليبيين في الخارج، ويذهب إلى عبدالله السنوسي مسؤول الاستخبارات العسكرية وزميله سابقا خلال دراسته في سبها، في مكتبه، فيطلب منه السنوسي العودة إلى قريته «الغريفة»، والبقاء هناك والتزام الصمت، فالريح عاتية ولا أحد يقوى على الوقوف في وجهها.

يبقى شلقم ستة أشهر في إقامة أجبارية، ليعين إثر ذلك في 1980 مديرا لوكالة الأنباء الليبية، وفي 1981 أمينا للإعلام الثوري.

ما زلت أذكر تلك المرحلة التي مرّ بها شلقم في الفصول الأولى من مذكراته، مرورا سريعا ولم يتوقف عندها ليسرد لنا المزيد من تفاصيلها المرعبة وفصولها المأساوية.
أذكر أن الخطاب السياسي والإعلامي كان خطاب عنف وتهييج وتخوين، واتهامات في جميع الاتجاهات تطال الناس، واللجان الثورية تصول وتجول عبر المجتمع والشارع والمؤسسات بتحريض من القذافي نفسه، تعتقل وتعذب وتحاكم المتهمين وتصدر أحكام الإعدام، وتقتل وتلاحق الليبيين في كل مكان، وتقوم بتصفية من تعتبرهم معارضين ( يُنعتُون بالكلاب الضالة في ذلك الوقت) بالرصاص في الخارج والمشانق في الداخل في انتهاك صارخ لكافة القوانين.

أغلقت صحيفتا «الأسبوع الثقافي» و«الأسبوع السياسي» وبدلا عنهما صدرت صحيفتا «الزحف الأخضر» و«الجماهيرية»، صحيفتان أصدرتهما اللجان الثورية وكانتا تعكسان مناخ الصخب والعنف والجنون الذي ساد تلك المرحلة.
هو الأخ العقيد لسّه في سبها؟

يذكر شلقم أن الكاتب والأديب الصادق النيهوم لم يسلم من اتهامات اللجان الثورية وهو المقيم في جنيف يشرف على إصدار موسوعات علمية كانت تمولها الدولة، حيث قال أحد الثوريين للقذافي في حضور شلقم أن النيهوم انضم للمعارضة الليبية في الخارج، ما جعله يحجز في أول طائرة بناءً على طلب شلقم الذي اتصل به هاتفيا بعد أن دافع عنه في حضور القذافي، ثم طلب النيهوم مقابلة العقيد وحين التقاه نفى صحة الاتهام الذي أطلق ضده وقال له: «أنا أعارضك هنا في طرابلس وأنا آكل معك الرغيدة وأقول لك كل ما في عقلي بصراحة وأنت تضحك بل تستفزني لأتوسع في القول». ص91

في عام 82 عندما كان شلقم أمينا للإعلام الثوري، جاء إلى ليبيا المذيع المصري الشهير أحمد سعيد الذي شدّ العرب إلى إذاعة صوت العرب خلال الستينات، وقدم مذكرة للقذافي يقترح فيها إطلاق إذاعة مسموعة تتوجه إلى الشباب العربي وتُركز على الثقافة والتعليم والتنمية والهوية العربية وتتواصل مع العلماء العرب في المهجر. أحيلت المذكرة إلى القذافي وجاء الرد، نريدها إذاعة صوت العرب كما كانت أيام جمال عبدالناصر.

يقول شلقم «عندما أبلغت أحمد سعيد بهذا الرد، علق مبتسما بقفشة على الطريقة المصرية: (الله ، هو الأخ العقيد لسه في سبها؟)». ويضيف شلقم موضحا إن أحمد سعيد يتساءل هل ما زال يفكر بعقلية الخمسينات عندما كان طالبا في مدينة سبها.

في هذه المرحلة أصدر القذافي أوامره بمنع إذاعة أو عرض أو نشر أي إنتاج مصري في جميع وسائل الإعلام الليبية بما في ذلك القرآن الكريم، وبالفعل توقفت الإذاعة المسموعة والتلفزيون الليبي عن بث الأغاني والمسلسلات والأفلام والمسرحيات والبرامج المصرية، وعندما ذهب شلقم رفقة فوزية شلابي إلى القذافي لمناقشته ومحاولة إقناعه بتغيير رأيه، رد عليه أنت لا تصلح أمينا (وزيرا) للإعلام فأنت خريج مصر ومتأثر بالثقافة المصرية، وعزله من منصبه.

يقدم شلقم تحليلا لرؤية معمر القذافي للإعلام التي يراها لم تتطور، فقد ظل سجين تجربته مع الإعلام المصري الذي عرفه مع إذاعة صوت العرب خلال عقدي الخمسينات والستينات ولم يستطع أن يواكب ماطرأ على الإعلام من تطور، فبعد أحداث يناير 1964 وهزيمة يونيو 67 حدث انفتاح كبير نحو حرية الرأي وبرز كتاب رأي وصدرت صحف خاصة لم تكن صوتا للحكومة الليبية.

وقد أدى عدم تطور رؤية القذافي للإعلام في شخصيته إلى تداعيات في المشهد الصحفي والثقافي الليبي عقب وصوله ورفاقه إلى السلطة يصفها شلقم بعبارات مخففة وملطفة لا تعكس حجم الكوارث التي جرت لاحقاً ليس بسبب عدم تطور رؤية القذافي للإعلام فقط، بل أيضا بسبب بروز الجانب الاستبدادي في شخصيته: «حدثت انزلاقات مؤثرة في كيان وسائل الإعلام في ليبيا، بداية بمحاكمة الصحفيين والكتاب في محكمة الشعب بعد إسقاط النظام الملكي، وتأميم الصحف واعتقال عدد كبير من المثقفين والأدباء والكتاب من الكتاب بعد إعلان الثورة الثقافية في خطاب زوارة وسجن كتاب صحيفتي الأسبوع الثقافي والسياسي كل ذلك قاد إلى الوهن الشديد في وسائل الإعلام الليبية بل وصل إلى إبطال مفعولها بالكامل» ص94.

وفي فصل حمل عنوان «سنوات النار والماء» يعود المؤلف ليتناول خلفيات خطاب القذافي في مدينة زواره عام 73، حين اتهم عدد من أعضاء مجلس قيادة الثورة القذافي بالديكتاتورية وطالبوه بالاستقالة والعمل على الانتقال إلى حكم مدني، فأخبرهم بأنه سوف يقدم استقالته للشعب في زوارة خلال الخطاب الذي سوف يلقيه بتلك المدينة بمناسبة الاحتفال بالمولد الشريف، وهناك ألقى خطابا قلب فيه الطاولة على الجميع، ومنذ ذلك العام أصبح الحفاظ على السلطة هو المحرك لكل شئ في البلاد. قال له خليفة حنيش: (أهلُك لاتهلك) اعتمد على أهلك حتى لا يطاح بك وتقضي بقية عمرك في زنزانة كما حدث لأحمد بن بله في الجزائر.

في عام 75 تم الكشف عما سمي بمؤامرة عمر المحيشي وقد ترتب عليها أمران:
الأول: نهاية مجلس قيادة الثورة كجسم سياسي.
الثاني: الدخول إلى مرحلة دموية غير مسبوقة في البلاد حيث جرى إعدام عشرات من العسكريين من بينهم بعض الضباط الأحرار الذين شاركوا في ثورة الأول من سبتمبر 69. وبدأ الأخ العقيد في تنفيذ سياسة (أهلك لاتهلك) وخاصة في المفاصل الأمنية والعسكرية للدولة، وبدأت حالة من الاستقطاب القبلي والجهوي لتوسيع قاعدة الأهل. ص138

وعن سنة 77 يقول المؤلف: «كانت المنعطف الأهم في مسار ليبيا الحديث. استيقظ الليبيون على تغيير شامل لكل شئ في بلادهم سياسيا واقتصاديا واجتماعيا – الكتاب الأخضر- الذي ألفه معمر القذافي» ص138
إن هذه التحولات الخطيرة التي عرفتها البلاد منذ أوائل السبعينات في تقديري كانت كارثية بجميع المقاييس، لأنها أدت إلى أن تصبح جميع مقاليد البلاد في يد معمر القذافي المهووس بالسلطة وبتحقيق الأمجاد الشخصية في الزعامة على العالم العربي وفي مرحلة لاحقة على أفريقيا.

وفي الأسبوع القادم، أواصل رحلتي مع مذكرات عبدالرحمن شلقم: «سنواتي».



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»