Atwasat

مقدمة في الدراسات (النسوية) الغربية (3)

محمد قصيبات 4 أيام
محمد قصيبات

الحديثُ عن الموجةِ الثالثةِ من الحركات النسوية الغربية هو مثل المشي على سقفٍ من الصفيحِ الساخن؛ فأنت إن لم تحرق قدميك الحافيتين قد تسقط في فخاخِ الخلطِ بين مختلف التيارات التي تكوّن هذه الموجة. فثمة توجهات عدة لا يمكن الجمع بينها وتوحيدها، وربما هذا هو السبب الذي أخذ الحركة النسوية إلى طريق مسدود.

من أين يمكن البدء في الحديث عن تلك الموجة؟

ولدت الموجةُ الثالثةُ في أمريكا وكانت تحولا وامتدادا للموجةِ الثانية التي سيطر عليها فكرُ الكاتبة الفرنسية «سيمون دو بوفوار»

ظهرت الموجةُ في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي، ثم سرعان ما عادت «إلى فرنسا» وبقية دول العالم.

اعتمدت النسويات في الموجة الثالثة على فكرة إلغاء كلمة «الأنثى» من قواميس اللغة وكذلك إلغاء «الأمومة»، كما جاء في كتابِ «الجنس الثاني» لسيمون دو بوفوار وجملتها المشهورة «لا نولد امرأة بل نصبح كذلك»، وشملت تلك الموجة تيارات مختلفة لا تربطها أفكارٌ موحدة، فكلّ تيار كان يغني على ليلاه.

يمكن ذكر بعض تلك التيارات التي منها التيار «الراديكالي» و«الماركسي» وتيار «النسويات السود» اللاتي كن ضد النسويات البيض، وكذلك «حركة تحرير المرأة الفرنسية» بقيادة الكاتبة مونيك ويتنج.

وفيما كانت مطالبُ الحركات النسوية في موجتها الأولى مشروعةحققت تقدمًا واضحًا في كثير من القوانين باستثناء المساواة في الراتب، أتى التيار الراديكالي بمطالب عدة بدت فيما بعد غريبة

فمن تلك المطالب مثلا:
• أولا إعلان الحرب على الرجال وعزلهم عن النساء إذ رأى التيار الراديكالي أن العيش مع الرجال أمرٌ لا يُحتمل
• وثانيا منع العلاقات الجنسية بين الرجل والمرأة

ومن زعيمات ذلك التيار الكندية «شالوميت فايرستون» التي نادت برفض العلاقات الحميمية بين الرجل والمرأة وإن سألتها كيف يستمر الكائن البشري ردتْ تقول إن ذلك لا يحتاج لعلاقات وسط تقدم التكنولوجيا المعاصرة في التلقيح ورأت الفرنسية «مونيك ويتنج» التي تشارك فايرستون آراءَها أن الأدب والكتابة هما «حصان طروادة» لتدمير إيديولوجية العدو الذي هو الرجل وهي تنطلق من الجانب الماركسي في نضالها: أي أن ثمة صراع طبقات «الرجل والمرأة» وهي لا تعترف بوجود رجال أو نساء لأن فكرة التقسيم في رأيها هي فكرة سياسية والذين اخترعوا فكرة الزواج هم على خطأ، وشنت «ويتنج» هجوما شرسًا على الأطباء الذين يعترفون بالبيولوجيا التي تقسم الكائن البشري حسب جيناته إلى ذكر وأنثى، وهي ترى أن الاكتشافات الطبية تتعارض مع «حرية المرأة» وهاجمت أيضا كل من يتحدث عن «كتابة الأنثى» إذ ليس هناك في رأيها «أدب أنثوي».

هل هناك أكثر تطرفًا من تلك الأفكار؟
نعم
جاء ذلك التيار بقيادة الأمريكية «أندريا دوركن» وهي «منظرة» مهمة في الموجة الثالثة والتي زادت مطلبا آخر مهمًا وهو تجريم أي علاقة جنسية في الزواج، واعتبرت أن الزواج هو اغتصاب و «برنوغرافيا» وطالبت بإصدار قوانين في هذا الشأن، حيث نجحت في إقناع السياسيين بإصدار بعض القوانين ضد البرنوغرافيا، لكنها فشلت في إصدار قوانين تتعلق بالزوجين في غرفة نومهما.

ترى من هي تلك السيدة الغريبة؟
ولدت «أندريا دوركن» العام 1946 في ولاية «نيوجيرسي» وتقول إنها تعرضت للاغتصاب في سنّ التاسعة وعرفت في الستينيات بمواقفها ضد حرب فيتنام، حيث قادت عدة مظاهرات ضد الحرب وادعت أن الشرطة الأمريكية التي أوقفتها أثناء التظاهر اغتصبتها حين أراد بعض أفراد الشرطة التأكد من أنها عذراء «هكذا قالت أثناء محاكمة البوليس الأمريكي» وقالت في مذكراتها إنها تركت أمريكا بعد تلك القضية وهاجرت إلى أوروبا وتزوجت برجل هولندي يدعى كورنيوليوس «كما في رواية ألكسندر دوما» كان يضربها ضربًا شديدا أجبرها على الهروب منه والعمل على الرصيف بمدينة أمستردام.

رغم مواقف دوركن الجيدة في مناهضتها للهيمنة الأمريكية ووقوفها ضد حربي فيتنام والعراق خلطت بين العمل النسوي والسياسي، ورأت في صورة أمريكا (الرجل) الذي يهمين على شعوب العالم (المرأة).

الغريب أن هذا التيار الذي قادته دوركن لم يحقق نتائج إيجابية، بل على العكس ظهر تيار «نسويات الجنس» في فرنسا، وهو تيار يطالب المرأة باستعمال جسدها من أجل أهدافٍ سياسية والسيطرة على الرجال ويعرف هذا التيار باسم (post pornographie) أي تيار «ما بعد البورنوغرافيا»، ومن بين المنظرات لذلك التيار نذكر الكاتبة الفرنسية «كاترين بريا» وعالمتي الاجتماع الأمريكيتين «سيوبان بروكس» و «كارول كوين»، ولقد نجح هذا التيار في الإعداد للموجة الرابعة، إذ تمكنت النسوة من إسقاط أكثر من رجل سياسي في فخاخها تمهيدا للموجة الرابعة التي نعيشها الآن.

 

لمزيد من المعلومات يمكن الاطلاع على بعض المراجع:

1) Julie Lavigne : La post-pornographie comme art féministe
Recherche Féministes. Volume 27, numéro 2, 2014, p. 63–79

2) Vignt ans après la mort ; Monique Wittig, icône de la pensée féministe et lesbienne, revient sur le devant de la scéne.
France Culture le 07/01/2023
DRmohamed
DRmohamed Ksibet
3) Julie Bindel:
Why Andrea Dworkin is the radical, visionary feminist we need in our terrible times
The Gardian, 16th Avril 2019.