شهد المتوسط إبان انحسار الإمبراطورية العثمانية وهزيمتها أفواجا من الهجرة من الشمال إلى الجنوب، ولكن لم يطلق عليها وقتها هجرة غير شرعية أو غير قانونية، فالكثير من المسلمين أو ممن اعتنقوا الإسلام من جزر اليونان أو دول البلقان نزحوا إلى الضفاف الجنوبية خوفا من التنكيل الديني ومن محاكم التفتيش، واندمجوا بسهولة في المجتمعات المحلية، في ليبيا ومصر وسوريا ولبنان وغيرها من دول الساحل الجنوبي والشرقي للمتوسط.
فلتنوقف عند مقالة الكاتب عمر الككلي "الهجرة المعاصرة بين الشرعية والقانون" بوابة الوسط 1 فبرير 2022 ؛ التي اقترح فيها تسمية الهجرة الحالية إلى الشمال هجرة غير قانونية بدل هجرة غير شرعية " توصف الهجرة الحالية بأنها «هجرة غير شرعية». وفي رأيي أن هذا الوصف غير دقيق، بل ومغالط، والأصح أن توصف بأنها «هجرة غير قانونية». إذ إن التعبير الأول تعبير «حقوقي» تكون الهجرة فيه «حقا» مشروعا ومباحا. أما التعبير الثاني فهو تعبير «قانوني» تكون فيه الهجرة «حقا» مصادرا وممنوعا". وأوافقه الرأي تماما، فتطبيق القانون الصارم في مسائل إنسانية عاجلة مبدأ غير أخلاقي وإن كان قانونياً.
صحيح أيضا ما قاله عن أسباب هذا النزوح الجماعي المغامر والذي يرجعه للظروف المعيشية في أفريقيا التي "سببها الأساسي الدول الاستعمارية الأوربية التي استعمرت هذه الشعوب لفترات طويلة’". وهذا التوصيف المختزل بحكم اهتمام المقالة لأسباب الظاهرة أو تسميتها أو معالجتها، تتخلله تفاصيل مؤلمة حين شاءت الجغرافيا أن تكون ليبيا محطة لهذا النزوح الجماعي الذي حفزه ما تمر به البلد من فوضى واضطراب أمني، وما تبعها من بروز أسواق للتجارة في الهجرة تمخض عنها اقتصاد موازٍ يعمل في ظل تواطؤ بين الجهات الرسمية وخفر السواحل وعصابات التهريب، ومن المفترض، كما ذكر الككلي، أن تتحمل إيطاليا باعتبارها هدفا لهذه الهجرة المسؤوليةَ مع ليبيا، خصوصا وقد وقعت اتفاقيات تعاون للحد من الهجرة فترة النظام السابق، مع العلم أن النظام السابق كان يعمل عبر أجهزته السرية على توفير الجوانب اللوجسيتة لتهجير الأفارقة من السواحل الليبية إلى أوروبا، ربما انطلاقا من تطبيق مقولة رأس النظام (السود سيسودون في العالم)، أو لاستخدام موقع ليبيا كورقة ابتزاز سياسي للأوربيين مثلما يفعل الآن أردوجان، ومثلما فعل رئيس روسيا البيضاء بعد أن فرض عليه الاتحاد الأوربي عقوبات.
كل ما ورد في المقالة صحيح ودقيق، لكن ما أريد أن أضيفه وأطرح اسئلة حياله، ما يحدث لهؤلاء المهاجرين في المحطة الليبية قبل أن تتاح لهم فرصة للقفز في البحر، أو ما يسمى مراكز احتجاز المهاجرين في طرابلس وضواحيها، وهي في الواقع معتقلات وسجون، بل تحولت إلى أسواق للمتاجرة بالبشر، او تجارة الرقيق التي كانت نشطة في هذه السواحل لفترة طويلة قبل إنفاذ قوانين منع المتاجرة بالبشر.
حقيقة ما يحدث في هذه المعتقلات يجب أن نتوقف عنده ولا نمر عليه مرور الكرام، خصوصا بعد أن تحولت ليبيا من مجرد معبر إلى مركز تجاري يشمل أسواق نخاسة لها بناها التحتية وتجارها الشهيرون وعصاباتها وميزانياتها، وصدرت عدة بيانات من منظمات حقوقية تدين ما يحصل في هذه المراكز من جرائم ضد الإنسانية، إضافة إلى الكثير من الأفلام الوثائقية التي اطلع منفذوها على هذه الجرائم، وعرضوا شهادات مؤسفة لضحاياها لدرجة تعتقد أن من يديرونها ليسوا بشرا.
بعض هذه المراكز يتبع السلطات المتعاقبة على العاصمة بكل أنواعها، وبعضها خارج سيطرتها، لكن كل الحكومات التي مرت بها والمعترف بها دوليا لم تفعل شيئا حيال هذه الجرائم التي تقع في نطاق مسؤوليتها، وهذه الهجرة الطويلة التي نسميها غير شرعية أو غير قانونية، تبدو أنها في ظل السلطة الليبية وكأنها شرعية وقانوينة، يرتكزعليها اقتصاد منافس، ويتورط فيها مسؤولون كبار من دول الاتحاد الأوربي ومن الحكومات المتعاقبة ومن مجلس الدولة وفق ما تبينه الأفلام الوثائقية التي أعدتها قنوات مثل: البي بي سي، قناة دوتش فيلي الألمانية، وفرانس 24 ، وغيرها من القنوات التي أدلى فيها شهود ناجون بما يتعرض له المحتجزون في معتقلات الرايخ الليبي بشهادات يندى لها الجبين وتجعلك تخجل من أنك ليبي.
أسئلة تطرحها هذه الظاهرة التي تفرز مثل هذه العصابات في دولة غنية من المفترض أن تكون مقصدا للهجرة وليس معبرا قاسيا. وحين يتم الحديث في قنوات محترفة عن اغتصابات بالجملة وقتل ومزادات في سوق النخاسة، وعن تواطؤ بين العصابات والأجهزة الرسمية، حيث من يرسل مجموعة بعد أن يبتزها يبلغ أصدقاءه في خفر السواحل كي يقبضوا عليهم ويرجعوهم ويبيعوهم لعصابة أخرى، وحين لا يكون مع المهاجرين نقود يعملون أعمال سخرة حتى يرسلوا من جديد في قارب مطاطي، وهكذا، وكأنهم يدحرجون صخرة سيزيف على سفوح المتوسط. حين يتم الحديث عن كل هذا نتساءل من أين جاء كل هذا الشر والعنف الذي لا يعرف حدا؟ وما سر الصمت حيال هذه المعاناة من الداخل والخارج؟.
لا شك أن من يفعلون هذه الجرائم التي تشوه سمعة ليبيا والليبيين هم مجرمون لا يمثلون هذه الأرض ولا مجتمعها المضياف ولا حاضرة طرابلس المخطوفة للأسف، لكن ما يخجل أكثر هو الصمت حيال ما يحدث فوق أرضنا لهؤلاء الضحايا، بينما لا حديث سوى عن معاناة الليبيين من انقطاع الكهرباء أو طوابير المصارف أو أزمة الوقود او غيرها، بينما على أرضنا بشر فقراء اضطرتهم الضوائق لأن يحلموا بالوصول إلى الضفاف الأخرى، وشاءت الجغرافيا أن تكون ليبيا في طريقهم، يتعذبون يوميا في معتقلات لا تصلح حتى لحبس الحيوانات، يضربون ويغتصبون ويباعون وكأن الأمر لا يعني أحدا، فالليبيون رغم ما يمرون به من ظروف صعبة إلا أنهم يتدبرون أمورهم ويساعد بعضهم البعض، بينما هؤلاء لا حول ولا قوة لهم وهم في قبضة وحوش. والمفارق أيضا أن دولا أوربية تعاملت مع هذه العصابات وموّلتها وكأنها أجسام رسمية، ولا غرابة لأنه في ليبيا ما عدنا نعرف الجسم الشرعي من غير الشرعي، ولا الرسمي من غير الرسمي، ولا الوزارة من العصابة، ولا البوابة من حواجز قطاع الطرق.
نعرف أنهم حين يصلون إلى أوروبا لن يجدوا الجنة التي حلموا بها، فمن لا يغرق في البحر ويصل قد يجد نفسه في مخيم أوعمل مرهق بأجر زهيد، لكنها على الأقل مخيمات تحرص على الحد الأدنى من الإنسانية، تدخلها منظمات حقوق الإنسان، والصحفيون، والأطباء وجماعات الإغاثة وغيرها. لا يتحدثون هناك عن قتل من يفلس أو من لا تجد عائلته حلا حين يتصلون بها لتبعث فدية، ولا عن اغتصاب النساء والأطفال وحتى الرجال في المعسكرات الواقعة تحت سلطة الميليشيات أو تحت سلطة الحكومة التي هي بدورها محكومة من الميليشيات.
بتاريخ 17 نوفمبر 2017، بثت شبكة سي إن إن الأمريكية وثائقيا صادما كشف عن وجود أنشطة تجارة بالرقيق قرب طرابلس، وأثار تنديدا واسعا في أفريقيا وأوروبا. كما نشرت صحيفة، فيلت أم زونتاج، تقرير السفارة الألمانية عن معتقلات المهاجرين في ليبيا، تذكر فيه بالوثائق: "أن المهاجرين يواجهون الإعدام والتعذيب، وغيرها من انتهاكات منهجية لحقوق الإنسان بمخيمات في ليبيا، بحسب تقرير أعدته السفارة الألمانية في النيجر للحكومة الألمانية". وذكر تقرير الصحيفة أن السفارة أرسلت برقية دبلوماسية إلى المستشارية ووزارات أخرى «توثق صورا وتسجيلات مصورة أصلية، التقطت بهواتف محمولة، لظروف تشبه معسكرات الاعتقال فيما يسمى بسجون خاصة يديرها مهربون». ونقلت الصحيفة عن تقرير السفارة «عمليات إعدام عدد لا يحصى من المهاجرين، والتعذيب والاغتصاب والرشوة والنفي إلى الصحراء تحدث يومياً» كما «تحدث شهود عيان عن خمس عمليات إعدام بالضبط أسبوعياً في سجن واحد، مع إشعار مسبق، ودائماً يوم الجمعة، لإفساح المجال لمهاجرين جدد، بمعنى زيادة عدد البشر وإيرادات المهربين».
أما (منظمة الهجرة الدولية) فتنقل عن مراهق من غينيا بيساو، قوله: “إنه شاهد قتل ثلاثة من المهاجرين أثناء عملهم في مواقع بناء في ظروف أشبه بالعبودية، مضيفاً: “لا أرغب حتى لعدوي بأن يأتي إلى ليبيا”.
الهاربون من رمضاء الفقر جنوب الصحراء يسقطون في نار السواحل الليبية بين أيدي وحوش ليبيين محميين من قبل مسؤولين نافذين في السلطة، يفرش لهم العالم الغربي والشرقي السجاد الأحمر، أثروا من حفلة إعدام جماعي، ومن إلقاء ضحاياهم في أفران البحر الهائج، ليتحول المتوسط إلى مقبرة جماعية تتكفل أسماك البحر بإزالة آثارها. وأمام هذا الهولوكست الليبي، يقف العالم متفرجا، الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وكل الأجسام المعترف بها دوليا في طرابلس، ولا حلول يقترحونها سوى السعي لتوقيع اتفاقية تضمن بقاء هؤلاء الضحايا في المعتقلات بين أيدي الوحوش، وكأنهم يتصدون لهجرات جراد وليس بشراً.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات