Atwasat

مختصر مفيد

محمد عقيلة العمامي الإثنين 12 يوليو 2021, 09:38 صباحا
محمد عقيلة العمامي

قرأت مقالة ظريفة عن كاتب يتحدث عن قدرة والده على الكلام المقتضب، سواء أكان حديثا، أم كتابة. يقول أنه لم يستلم منه طوال حياته سوى رسالة واحدة، ردا على رسالة بعثها له مبرزا حاجته إلى مبلغ 25 دولارا، فرد عليه كالآتي: "ابني العزيز، والدتك تطلب منك أن تقتصد في مصروفك. بقرتنا ولدت هذه المرة عجلة، فقلت حصتنا من الحليب. والدك جيفري هانت". وأرفق مع الرسالة 10 دولارات.

والده هذا ميكانيكي سيارات، طلبت منه زوجته أن يبتاع لها عند عودته لحما. جاءه زبون، ليصلح له عربته الواقفة من بعد نهر قادم من الشمال، نحو الجنوب بجوار مدخل المدينة الشرقي ثم يلتف نحو غربها. أصلح العربة وانطلق بها نحو المدينة، طارت العجلة، فسقطت العربة في النهر، وجرفها التيار ولم يخرج منها. ذهب الناس بمن فيهم زوجته وابنته إلى مسار النهر من جهة غرب المدينة، وسحبوا العربة، بعد جهد شاق. لم تكن جثة "جيفرى هانت " خلف المقود. عادت الزوجة وابنتها حزينتين إلى البيت. عند مدخل الباب وجدتا حذاءه المبتل وطمي النهر أمام الباب، انطلقتا فرحتين، وجدتاه يغط في نوم عميق وبجواره قصاصة ورق لزوجته مكتوب فيها: "ميرتل، نسيت اللحم!".

تذكرت الراحل العزيز كاتب الأغاني الموهوب خليفة فرج، ذات يوم علم أولاده أن أزمة قلبية فاجأته، أمسكوه بسببها في العناية المركزة، جاءوا إليه، شاهدوه من زجاج غرفة الإنعاش. جاءتهم الممرضة بمفاتيح سيارته مع قصاصة ورق مكتوب فيها: "أنا بخير. عجلة السيارة مثقوبة، هي التي تحتاج إلى (قوميستا)! فأصلحوها!".

كان للمرحوم خليفة الفاخري سيارة متهالكة نوعها "لانسر" ومن كثير الذهاب بها إلى ورشة صديقه المرحوم فتحي العوج، تركناها ذات يوم في الورشة، لأن فتحي لم يكن موجودا، أعطى مفاتيحها لأحد صبيان فتحي.

عدنا إلى الورشة قبيل المغرب. كان فتحي قد أصلحها، وذهب لقضاء حاجة وأمر الصبي أن يعطي مفاتيحها إلى خليفة إن حضر في غيابه.

ما إن دخلنا الورشة حتى قدم نحونا صبي غير الذي استلمها. سأل خليفة: "أنت صاحب (اللنسر)؟" أجابه خليفة في الحال: "قصدك الكنسر؟" وانفجر ضاحكا: "بالله تقول مصابه بكنسر، يومك وثانيك في الورشة!" ومن يومها التصق بها الاسم.

ذات ليلة قبيل موعد صلاة العشاء، فوجئنا بصدمة هائلة من الخلف أطارت كل المعلقات بذيل السيارة. نزلنا، ونزل الرجل الذي صدمنا غاضبا: "(تو) معقوله يا (حاج) تقود سيارتك في الليل بدون (فريتشات)؟" – يقصد إضاءة خلفية - أجابه خليفة في الحال: "وأنت يا أفندي تصدم أي شيء ليس به (فريتشات )؟ الحائط من دون فريتشات، شجرة "النم" هناك ما فيهاش فريتشات. (لماذا لم تصدمها؟)" وانفجرتُ ضاحكا، واحتار الرجل ما بين كمد ضحكته واعتذاره!.

عند عطفة قريبة من باب زويلة بمصر القديمة، وفيما كنت انتقل بين محلات متخصصة في صناعة البراويز، أخذتني إليه ضحكات حقيقية لشلة منزوية داخل المحل، كان الفرح ومتعة لقاء رجال اجتازوا مرحلة عقدة الحسرة على شبابهم، التي تمكنوا من تعويضها بالسخرية من كل ما قد يكدرهم، دخلت وفيما ظللت أتأمل لوحات عتيقة، وأطر بلا لوحات، مقتربا من عمق المحل، مسترقا السمع، في محاولة لسمع "نكتة" قبل تفجر ضحكاتهم. وما إن اقتربت منهم، حتى أصبحت ضحكاتهم الرنانة مجرد ابتسامات وإن ظل أحدهم يحاول إنهاءها.

كانت حياة ضحكاتهم ما زلت في ملامح بعضهم. ولما أشرت إلى صورة فوتوغرافية، قديمة باهتة الألوان يحتويها إطار عتيق لعجوز بلحية كلية البياض، وعنق قميصه ملفوف بـ (فرفله) كانت سوداء وكذلك بدلته ذات الثلاث قطع. وكان مهيبا حاد النظرات. فسألته: "لمن هذه الصورة؟ وهل هي للبيع؟" فرد سريعا: "نعم إنها للبيع، فهي لجد أي أحد يدفع ثمنها!" وانفجرت معهم ضاحكا، وتوالت التعقيبات المضحكة استطرد أحدهم: "اصلوا، ولا مؤاخذه من جيل (الغلابا)، اللي يتصوروا في أقسام الشرطة بس!"، ولحق به آخر: "أكيد كان جبار وبخيل، أحفاده لموا الغلة، وطاروا!" واستمر الضحك والتعليقات، إلى أن أخذني صاحب محل الأنتيكات، على جنب وقال لي بجدية: "لم يبق لنا سوى الضحك، ودي نعمه من ربنا، يا ابني، هذه الأيام، ناس كثير استغنوا وما لهمش كبير، فاشتروا ليهم كبير.. على الأقل صورة حد كبير. ويجعلوه جدو أو عمو.

ومين يهموا يكون مين!؟ أنا لا أعرف هو مين؟ بس حد اشترينا منو انتكات بيتهم، منها الصورة دي، لمين؟ ما (حدش) يعرف؟". وانتبهت إلى أن صورا كثرت لناس من بلادنا، ولكن لا أحد يعرف من هم؟ ومن أين جاءوا؟ صورهم؟ ولماذا صوُروا؟ فهل ستباع صورهم، يوما ما، كأنتيكات؟



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»