لا شك أن الضغط على النفس لتحقيق أهداف غير واقعية يهيء الفرد حتمًا للشعور بخيبة الأمل.
فالرغبة غير العقلانية في أن تكون دائمًا مثاليًا يمكن أن تسبب الكثير من المشاكل، ومن ينتهج أسلوب "الكل أو لا شيء" في التفكير، بمعنى إمّا أن يسير كلّ شيء كما يريد وإمّا فلا.. فتلك الشخصية تسمى بالشخصية الباحثة عن الكمال – Perfectionist -
وذلك من خلال وضع معايير أداء عالية بشكل مفرط، كما أنها تنتقد نفسها والآخرين بطريقة لاذعة، وسعيها الدائم في التنقيب عن العيوب، واستحضار المخاوف بشأن تقييم الآخرين لها.. وغالبا ما يكون تقييمهم للآخرين بنفس الحدة والشدة .
العجيب أن الناس تتقبل بسهولة ما يقوله المتربصون ، وفى ظنى أن مرد ذلك هو توق النفس البشرية للكمال، واعتقاد وهمي بأن القائد أوالرئيس يجب أن يكون منزها عن الخطأ رغم الحقيقة الوجودية التى تؤكد على أنه لا يوجد إنسان كامل، فكل إنسان لديه جوانب إيجابية وأخرى سلبية، ومهما كان مقبولا في نظرك ورائعا، ستجد لديه حتما جانبا سلبيا أيضا، وكما يقال كلنا لنا جانب مظلم كالقمر.. جميعنا نرتكب الأخطاء وبااستمرار، وصفة الكمال لله وحده، فمن يبحث عن إنسان كامل سيطول بحثه، نحن نكمل بعضنا بعضا. أنا أخطىء وأنت أيضا، من يعمل معرض للخطأ ولذا من أخطأ يستحق أن ننظر إلى ايجابياته ونعطيه فرصة ليحاول وليحسن من الأداء، فلا يوجد إنسان كامل ولكن يُمكننا جميعًا أن نسعى لأن نكون أناسًا أفضل.
السعى للكمال أمر إيجابى، بل هو الهدف الذى يدفع الإنسان للاجتهاد والترقى والإتقان، ولكن التقديس هو الذى يصنع الطغاة، ذلك الذى يبدأ بأن نرفع أحدهم على النقد أو نرفع كلامه أو كتابه أو شخصه على النقد.. يقول البعض فلان:
رجل بحجم وطن…
ويقول آخر.. مدينة بحجم وطن!!
اإنها المبالغة والشطط فى التعبير بقصد المدح فتكون النتيجة السير إلى النرجسية البغيضة.
السعي للكمال امر فطري وﻻ بأس به بل هو الحافز للإتقان وتحسين الحال على المستوى الفردى والجمعى… وهو سعى ﻻ نهاية له فى دورة الحياة، ولكن يجب الانتباه إلى أن الحلول المثالية الموصوفة بالكمال ليست إﻻ أوهاما وشعارات فضفاضة ويبقى الخطأ واردا في أي نشاط إنساني ويبقى دائما مجال ومساحة للتطوير والتحسين المستمر، فالرغبة في تحسين الوضع هي جزء من الطبيعة الإنسانية، وهي صفة مفيدة وبَنّاءَة في أغلب الأحيان، لكن إذا كانت الرغبة أقوى من اللازم وتجاوزت الحدود والإمكانات المتاحة، فإنّها تضر أكثر مما تفيد.
ينتقد أصحاب الشخصية المثالية أنفسهم والغير أكثر بكثير من الأشخاص الطبيعيين.. ففي الوقت الذي يشعر به الشخص الطبيعي بالفخر تجاه إنجازاته، ويدعم الآخرين ممن يسعون لتحقيق أهدافهم، نجد أنّ المثالي يركّز على الأخطاء والثغرات.. إنّه منشغل للغاية بمواطن النقص والضعف ولا يستطيع رؤية أيّ شيء آخر، الأمر الذي يجعله أكثر إصدارًا للأحكام وأكثر قسوة على نفسه والآخرين عند الفشل.
ولى ملاحظة تتعلق بالمشهد السياسي إذ كثيرا ما تظهرشخصيات يمكن بشيء من التشجيع والدعم أن تكون فى مقدمة رموز قيادة التيار المدنى مثلا، ولكن سرعان ما تواجهه وتلفه الانتقادات من كل جانب ويتربص به الزملاء من نفس التيار وأيضا من كل مخالفيه من التيارات الأصولية، ونظرا لغياب الوعي فى الحاضنة الاجتماعية؛ يكون للنقد الهدام تأثير ظاهر بحيث يقل قبوله الشعبي تدريجيا حتى الوصول إلى أن يتم حرقه سياسيا.
الخلاصة.. يجب أن نتوقع أن الحلول المأمولة لن تكون مثالية وﻻ كاملة وﻻ شاملة ولكنها الممكنة كبداية لوقف الانهيار.. المشاكل تحتاج غلى تفكيكها وتجزئتها والتعامل الحكيم معها وبشكل متدرج... ننجز خطوة تتبعها خطوات مع تحديد اأولويات الأهم فالمهم… وهكذا
وكذلك يجب أن لا نتوقع أن من يتصدر المشهد سيكون شخصية متكاملة وبلا عيوب وأن معادلة "حمرا وجراية وماتاكلش الشعير" أمر ومطلب مستحيل، ولا مفر من أن نضع نصب أعيننا حقيقة أنه
"لا وجود لملائكة يمشون على الأرض"!!
والتطور الدائم وليس الكمال هو قدر الإنسان أوكما يقول مارك توين
(التحسين المستمر أفضل من الكمال المؤجل) .
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات