Atwasat

من سرق فرح الليبيين؟

سالم العوكلي الخميس 05 يونيو 2014, 08:50 صباحا
سالم العوكلي

أعود اليوم لمشاهدة صور الليبيين في الأسابيع والشهور الأولى من انتفاضتهم، ألمس الفرح في عيونهم، والأمل ينمو على أطراف أصابعهم المخضبة بأعلام الاستقلال والمرتفعة بعلامات النصر، وتلك الشوارع المكتظة بالنساء والرجال، الشيوخ والشباب والأطفال، بالأناشيد التي تتعالى في المقاهي والسيارات والإذاعات المحلية تتغني بمدن ليبيا كلها ، اسمع هتافات طرابلس من أجل بنغازي، وبنغازي من أجل طرابلس، هتافات درنة دعما لمدينة الزاوية، وهتافات الزاوية دعما لمصراتة، وهكذا، كان شعب برمته يتعانق في لحظة تمرد حقيقية على أعتى نظم القرن الشمولية.

أتذكر النساء يبكرن إلى المطاعم التي أعدت لتمويل مقاتلي الجبهة بألذ المأكولات الليبية، وعمال الكهرباء والمياه والمصارف يعملون ليلا نهارا لكي لا يغيب النور والماء والخبز على بيوت الليبيين التي يرفرف فوقها علم الاستقلال.. كان الفرح غامرا وكان الحلم يكبر في قلوبنا يوما بيوم ،ساعة بساعة، دقيقة بدقيقة .. فماذا حصل كي تعود الكآبة إلى وجوهنا وينطفئ الفرح في عيوننا. من سرق هذه البهجة ومن تاجر من جديد بحلم شعب عاش قرنا كاملا من الدم والقهر والحزن.

في سفري الأول إلى طرابلس بعد تحررها وحين رأيت أضواءها تترقرق من الطائرة بكيت فرحا على المدينة التي أحب وقد نجت بعد طول حصار من أن تتحول إلى ركام ، هناك التقيت بصديقي الشاعر عاشور الطويبي ، قال لي بشاعريته المكثفة : أحس كأن كل ما حدث في ليبيا (فيكشن) وليس حقيقيا، بمعنى أنه خيال عمل إبداعي، وأضاف هذا المشهد المكرر في كل مدن ليبيا يعطيني إحساسا بأنه مخيلة.

وأنا اتفرج الآن على تلك الصور أحس أن ما حدث في ليبيا كان فيلما سينمائيا مدهشا وحين انتهى عدنا إلى كوابيسنا من جديد، عدنا إلى إحباط بحجم هذه الأرض الواسعة، فمن سرق من جديد ذلك الأمل العظيم الذي تفتح في عيون وأصابع أطفالنا وهم يخطون أحلامهم على الجدران المتهالكة، من؟. في غمرة ثمالتنا بالحرية، وفي خضم الموسيقى التي اكتظت بها شوارعنا، كان هناك من يتربص بنا، لأنه لم يثمل بحب هذا الوطن، كان يجهز نفسه لقطف الثمار حين تينع ، ويخطط لميراثه الشخصي، رغم أن كتائب الطاغية مازالت تقصفنا بنارها، هؤلاء الانتهازيون وُجِدوا وتناسلوا على مر تاريخ ليبيا، كنا سكارى بانتفاضتنا وكانوا في ذروة الصحو يتربصون بنا.

وحين استيقظنا من ثمالتنا كانوا قد سيطروا على مفاصل هذه البلاد، كانوا قد كدسوا الأسلحة في مخابئهم، وفصلوا القوانين التي ستخدم مشاريعهم الشخصية، كانوا قد وثقوا علاقاتهم بقوى وبنوك إقليمية ودولية تصرف عليهم دون هوادة، كانوا قد شكلوا كتائبهم الخاصة وحولوها إلى مرتزقة لهم، كانوا قد أسسوا قنواتهم الإعلامية التي شعارها فرق تسد.

وبدأت الأناشيد التي تتغنى بمدن ليبيا تختفي وتحل محلها شتائم وحروب بين هذه المدن، ورويدا رويدا بدأ الشارع ينضب من الحالمين، من النساء والرجال والأطفال، من الأغاني، من أعلام الاستقلال والنشيد الوطني، كان الشارع يخلو من الفرح ويكتظ بالسلاح والمسلحين، ومن جديد بدأ كل ليبي مهددا برصاصة طائشة أو غير طائشة، وعاد رعب العقود الماضية إلى هواء ليبيا، وهذه المرة دون أن نعرف مصدره أو مبرره، فواحد يقتل الليبيين باسم الوطن وآخر باسم الدين، وآخر بدون اسم . فهل حان الوقت لنستعيد شارعنا المسروق بانتفاضة أخرى، ولكن هذه المرة دون أن نثمل، هذه المرة لابد أن نكون في ذروة الصحو حتى لا يسرق الانتهازيون فرحتنا.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»